رجائى عطية

الإسلام يا ناس (52)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

الدعوة إلى إهدار سنة رسول القرآن ﷺ هى دعوة مضادة لذات القرآن المجيد، ندرك خطرهـا حين نعلم أن السنة فى الاصطلاح الشرعى هى ما صدر عن النبى عليه السلام من سنن قولية ومنها تتكون معظم السنة، أو فعلية مثل أدائه الصلاة بهيئاتها وأركانها أو مناسك الحج، ومن أحاديثه عليه السلام التى اشتملت على مثل هذه التوجيهات النبوية : «صلوا كما رأيتمونى أصلى »… «خذوا عنى مناسككم ».. ومن السنة التقريرية، وهى ما أقره عليه السلام مما شاهده أو صدر عن بعض أصحابه من أقوال أو أفعال، سواء بسكوته وعدم إنكاره لها، أو بإفصاحه عن موافقته عليها .

والسنة المحمدية بأقسامها الثلاثة .. القولية، والفعلية، والتقريرية .. حجة على المسلمين .. تعد مكملة للقرآن الكريم، ومعضدة له .. ومصدراً من مصادر التشريع الإسلامى بعد الكتاب العزيز مباشرة .. وهى تكتسب هذه الحجية ما دامت مقصوداً بها التشريع والاقتداء، ونقلت إلينا بسند صحيح يفيد القطع، أو الظن الراجح بصدقه .. فلا يعد من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يأتيه من تصرفات وأعمال عادية فى مجال حياته اليومية وأمور معاشه، ما دام لم يقصد بها أن تكون تشريعاً للمسلمين أو قدوة يحتذونها .. وليس من شك أنه قد زاد من أهمية السنة المحمدية أن المصطفى عليه الصلاة والسلام أجـاب علـى مـدى ثلاث وعشرين سنة على عدد لا يحصى من أسئلة صحابته وغيرهم ممن أخذوا الدين عنه، وآمنوا برسالته .. تارة بما يلهمـه الله تعالـى بـه، وتارة بما يؤديه إليه اجتهاده النبوى .. هذه الإجابات المتنوعة فى موضوعاتها المحكمة الجامعة فى مبادئها النبوية الرشيدة، قد صارت مصدراً خصباً ومفيداً لفهم الإسلام فى مبادئه وأصوله، وفى شتى فروعه التى تتصل بحياة الناس، وعلاقاتهم، وأمور دينهم .. ودنياهم ..

وإذا كانت السنة المحمدية لها هذه المكانة والأهمية التى اكتسبتها بقيمتها الذاتية .. فإن البراهين الأخرى على حجيتها ولزوم اتباعها، ما دام مقصوداً بها التشريع والاقتداء، عديدة وقاطعة .. أولها هذه الآيات البيانات التى عرضناها، والتى يحثنا سبحانه وتعالى فيها ويأمرنا بطاعة الرسول والإيمان بنبوته .. وثانيها أن هـذه السنة المحمدية ما هى فى حقيقتها إلاّ تبليغ لرسالة أمره الله عز وجل بتبليغها .. «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى » (النجم 5-3).

حجية السنة التى تريد دعوة «القرآنيون » استبعادها وإهدارها، جزء أساسى من الدين .. هى التى بينت قولاً وفعلاً فرائض الصلاة والصوم والزكاة والحج .. لا مرجع سواها فى بيان هذه الفرائض التى هى أركان الإسلام .. وهى فى أحيان أخرى جاءت مفصلة ومفسرة لما جاء فى القرآن مجملا، أو منشئة ومثبتة لحكم لا ينطق فيه رسول القـرآن عن الهوى مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، أو تحريم الحمر الأهلية وسباع البهائم تفصيلا لما ورد فى القرآن المجيد فى قوله تعالى :  «ِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ » (الأعراف 157).

حذف السنة من المدونة الإسلامية، هو هدم للإسلام .. وأكثر منه مغالطة التذرع بمدى ثبوت السنة لإهدارها .. فالسنة النبوية قد جمعها أئمة كبار سجلوا فى كتب الصحاح رواياتها ورواتها تفصيلا دقيقًا فيما انبنى عليه علـم الحديث الذى أقام بقواعد صارمة مصفاة بالغة الدقة والإحكام لا يمـر منهـا الحديث الموضـوع، وأول معاييرهـا الدقيقـة المدققة ألاّ يتعارض الحديث مع القرآن، فإن تعارض دل ذلك على أنه موضوع ومنسوب كذبا إلى رسول القرآن عليه السلام .

لا نكفر أحدا ولا نتهمه فى نواياه، ولكننا نريد للمسلمين أن يعوا أن السنة هى والقرآن الكريم معا متعاضدان فى إقامة الدين، وأن الدعوة تحت أى ستار لتنحيتها أو استبعادها هى فى الواقع اختزال ضرير وهدم للدين يتناقض مع معنى الرسالة، ودور حاملها الذى كان التجسيد الحى والتطبيق الواعى لأحكام الشريعة، والمشعل الوضاء والمنار الهادى لأحكام الدين، بل إن هذه البدعة تتناقض مع ما أورده ذات القرآن الذى تتشح به البدعة اتشاحا مغلوطا .. وتصادر على رسـول القـرآن المجيد الذى قـال فيه :

 «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالاً مُّبِينا » (الأحزاب 36).. وكيف تهمل أو تجنب أو تستبعد سنة رسول القرآن الذى قال فيه الحق تبارك وتعالى : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا » (الأحزاب 45 ، 46) صدق الله العظيم .

والتمسك بالسنة، واحترامها، ليس تقليلاً من قيمة القرآن الحكيم .. فالقرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامى، والسنة لا تخالفه ولا تناقضه، وإنما تتعاضد معه فى بيان الدين وأحكام الدين .

ومن المهم للمسلم أن يعرف كنوز القرآن المجيد، وقد حدثتك سلفًا عن بعضها، ونضيف أن من عظمة القرآن أنه يعطى للمسلمين وللإنسانية   مفتاح الحاضر والمستقبل، ويساير المصالح ولا يعترضها، والمتأمل فيه يجد تفرقة رشيدة بين الأصول والثوابت، وبين المتغيرات، ويرى أن نصوص التشريع فيه على قلة عددها نسبيا، فيها سعة ومرونة وخصوبة .

فهى لم ترد على نمط واحد فى كل الفروع، فنراها تعرض لبعض التفصيلات والتفريعات فى العبادات وما ألحق بها من أحكام الأحوال الشخصية، وما يتصل بالمواريث .. فهذه الأحكام لا مجال فيها للتطور بتطور البيئات أو التغير بجريان الزمان، ومن هنا كان التفصيل هنا لا يصادر على معطيات الزمن   والتطور .

أما فى تشريع الأحكام العملية غير المتعلقة بالعبادات فيما يقول أستاذنا فضيلة الشيخ الجليل   عبد الوهاب خلاف فى بحثه الذى حدثتك عنه وما فى حكمها مثل الأحكام المدنية والدستورية والجنائية والاقتصادية، مما تختلف باختلاف البيئات وتتطور بتطور الحياة، نجد أن نصوص القرآن الحكيم لم تتعرض فيها للتفصيل والتفريع، بل اقتصرت على الأحكام الأساسية والمبادئ العامة التى لا تختلف باختلاف الأزمنة أو الأمكنة أو البيئات، وهى مبادئ عامة تقتضيها العدالة فى كل أمة، وفى كل بيئة وزمن، وليكون المجتمع فى سعة تتيح له التفريع والتفصيل حسبما يلائم حالهم فى زمانهم وتقتضيه مصالحهم .. من غير أن يصطدموا بحكم تفصيلى فى القرآن يصادر عليهم وعلى تطوارت الحياة .

فالبيع، وهو أكثر العقود المدنية أحكاما ومواده فى القانون المدنى المصرى مائة وعشرون مادة، لم يرد فى نصوص القرآن بشأنه إلاّ أربعة أحكام : الأول فى إباحته فى قوله تعالى : «وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا » (البقرة 275) ، والثانى فى اشتراط التراضى فيه أو ما يسمى فى القانون المدنى مبدأ سلطان الإرادة ما لم يخالف قاعدة شرعية . فيقول تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا » (النساء 29) ، والثالث فى إيجاب شهره بقوله سبحانه وتعالى : «وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ » (البقرة 282) ، والرابع النهى عن ممارسته إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِى لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ » (الجمعة 9).

كذلك الإيجارات، وهى تلى البيع فى كثرة أحكامها وموادها فى القانون المدنى المصرى، فلم يرو فى نصوص القرآن من أحكامها إلاَّ ثلاثة : الأول إباحتها، والثانى إيجاب إيتاء الأجير أجره بالمعروف، والثالث إباحة أن يكون عمل الأجير مهر زواجه . والمستقرئ لنصوص القرآن فى الأحكام المدنية يجد ذلك سنة متبعة فى مختلف العقود، لا يجد فيها تفصيلا ولا تفريعا يصادر على العدل أو على المصلحة وفق زمانها ومكانها وبيئتها وظروفها .

(يتبع )

شارك الخبر مع أصدقائك