رجائى عطية

الإسلام يا ناس (5)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

على أن الاستنباط من النصوص المعلومة، قرآنا كانت أو سنة، ليس مهمة سهلة، أو خالية من الضوابط . ومن المهم واللازم للباحث فى الشريعة أن يلم بطرق الاستنباط من النصوص، وهى قسمان : طرق معنوية، وطرق لفظية . والطرق المعنوية هى عمليات الاستدلال من غير النصوص، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغير ذلك .

أما الطرق اللفظية للاستنباط فقوامها تعرف معانى ألفاظ النصوص، وما تدل عليه فى عمومها وخصوصها، وطرق الدلالة : أهى بالمنطوق اللفظى للنص، أم هى من طريق المفهوم الذى يؤخذ من فحوى الكلام، والقيود التى اشتملت عليها العبارات ثم ما يفهم من الألفاظ، أهو بالعبارة أم بالإشارة إلى غير ذلك مما تتصدى له طرق الاستنباط اللفظى التى يقوم بها الباحث .

وهذه المهمة، مهمة بالغة الدقة، لها علماؤها، ولا يقدر عليها من لا علم له بقواعدها وأصولها . فالألفاظ ليست على درجة واحدة من الوضوح، فمنها الواضح الذى لا يحتاج إلى بيان، ومنها ما ليس له هذه الخاصية من الوضوح، بل إن للألفاظ الواضحة أقسام فى قوة وضوحها ومن ثم قوة دلالتها . وقد قسم العلماء الألفاظ تبعا لذلك، وفرقوا فى درجة الوضوح بين الظاهر والأعلى من الظاهر والأعلى من النص المفسر، والمحكم . وقالوا فى النص إنه دلالة اللفظ على ما سبق له، وفى المفسر أنه اللفظ الدال على المقصود من السياق، وقد تبين معناه من دليل آخر، وقد يكون النص فى أصله مجملا فيفسره نص آخر، مثل الدية فى القتل الخطأ، فالنص القرآنى يقول : «فدية مسلمة إلى أهله ». ، فجاء الحديث النبوى فبين مقدارها وحدودها وأنواعها، فكان النص الثانى مفسرا للأول، وكذلك الحال فى تفسير المجمل فى الزكاة، أما اللفظ المحكم فهو الدال على المقصود الذى سيق له، وهو واضح فى معناه لا يقبل تأويلا ولا تخصيصا، واقترن به ما يدل على أنه غير قابل للنسخ، أما اللفظ غير الواضح، والتعامل معه عويص، فقد يكون غير مبين فى ذاته، أو لا مبين له من الكتاب أو السنة، وقد يكون معناه خفيا، أو مشكلا، أو مجملا، أو متشابها .

والتأويل باب من أبواب الاستنباط العقلى، بيد أنه قد يكون صحيحا، وقد يكون فاسدا، وهو لا يكون صحيحا إلاَّ إذا التزم شروطا بسطها علماء الأصول، أولها أن يحتمل اللفظ المعنى الذى يؤول إليه، وثانيها أن يكون ثمة موجب للتأويل، وثالثها أن يكون له سند مستمد من الموجبات له .

والتأويل يستحضر دلالات الألفاظ والعبارات، وفيها يتحدث العلماء عن أقسام للدلالات : دلالة العبارة وهى المعنى المفهوم من اللفظ، ودلالة الإشارة ويعنون بها ما يدل عليه اللفظ بغير عبارته ولكنه يجىء نتيجة لها نحو المستفاد من قوله تعالى : «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً » ( النساء /3 ) ـ فإنه يفهم منه بدلالة الإشارة إن العدل مع الزوجة واجب، ومن هذه الدلالات دلالة النص، ويسميها البعض مفهوم الموافقة، كما تسمى الدلالة الأولى، وبعض الفقهاء يطلق عليها القياس الجلى، فقوله تعالى فى شأن الوالدين : «فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا » ـ يفيد بعبارته النهى عن كل ما يجاوز

قول «أف » للأبوين أو لأى منهما، فهذه الدلالة مستقاة من دلالة النص والمفهوم الموافق لها ، مثل ذلك استخلاص وجوب العتق فى القتل الخطأ من قوله تعالى : «´وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا » ( النساء 92 ) ، فهذا النص يفيد إلى جانب دلالته فى وجوب العتق فى القتل الخطأ ، وجوبه أيضاً فى القتل العمد ، وبذلك قال الإمام الشافعى ، أما دلالة الاقتضاء فيعنى العلماء بها دلالة اللفظ على كل أمر لا يستقيم المعنى إلاَّ بتقديره ، ومن الأمثلة الشهيرة التى يستشهد بها العلماء قول الرسول ﷺ :

«رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » ـ فقالوا إن المراد إثم الخطأ ، فإن الخطأ إذا وقع لا يرفع ، فكان مقتضى ذلك صرف المعنى إلى رفع الإثم . ومثل ذلك أيضاً تقدير كل مضاف محذوف يقتضيه الكلام ، فيستدلون من حديث : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه » ـ أنه يقتضى تحريم الاعتداء ، فاللفظ لا يستقيم دلالته إلاَّ بتقدير ذلك ـ ويجعل العلماء لهذه الدلالات مراتب على الترتيب الذى عرضته ، فأقواها دلالةُ العبارات وأدناها دلالة الاقتضاء .

ومن الدلالات التى يتحدث عنها الفقهاء ، دلالة المفهوم ، ويريدون بها دلالة مفهوم المخالفة ، ويعرفها الأصوليون بأنها إثبات نقيض حكم المنطوق المسكوت عنه إذا قيد الكلام بقيد يجعل الحكم مقصوراً على حال هذا القيد ، فإن النص يدل بمنطوقه على الحكم المنصوص عليه ، ويدل بمفهوم المخالفة على عكسه فى غير موضع القيد ، فإذا كان الحكم ـ مثلاً ـ يفيد الحل مع القيد ، فإنه بمفهوم المخالفة يفيد التحريم إذا لم يكن القيد . ويشترطون للأخذ بمفهوم المخالفة شرطين : أولهما ألا يكون للقيد الذى قيد به الكلام فائدة أخرى ثابتة كالتنفير مثلاً أو الترغيب أو الترهيب ، وثانيهما ألا يقوم دليل خاص فى المحل الذى يثبت فيه مفهوم المخالفة ، فإذا كان ظاهر مفهوم المخالفة للنص القرآنى : «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى » (البقرة 178). ـ أن الذكر لا يقتل بالأنثى ، وأن الحر لا يقتل بالعبد ، إلاَّ أن إعمال هذا المفهوم بالمخالفة قد قام دليل خاص ينقضه هو قوله تعالى : «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ » (المائدة 45) ألخ . فدل ذلك على أن القاعدة أن النفس بالنفس ، وهو ما أثر قوله عن الرسول عليه الصلاة والسلام إذ قال : «النفس بالنفس ». ويتحدث علماء الأصول أيضاً عن «مفهوم اللقب » ـ ومعناه أنه إذا كان الحكم مختصاً بجنس أو نوع ، فيكون الحكم ثابتاً فى موضع النص منفياً فيما عداه ، ويضربون لذلك مثلاً حديث الرسول ﷺ : «لىّ الواجد ظلم يحل عقوبته » ـ أى أن مطل الغنى القادر على أداء الدين ظلم يسوغ العقاب ، فإنه يؤخذ من هذا التحديد ـ بمفهوم المخالفة ـ أن لىّ غير القادر لا يعد ظلماً ، ولا يسوغ العقاب ، ومن قبيل مفهوم المخالفة على تفصيل يورده العلماء : «مفهوم الوصف » ، وهو أن يثبت الحكم فى المنطوق المقيد بوصف بما جاء به اللفظ ، وأن يثبت النقيض إذا تخلف الوصف . ويوردون أيضاً مفهوم الشرط ، وهو ثبوت نقيض الحكم المعلق على شرط أو المقترن بشرط عند عدم وجود الشرط . وعلى غراره تقريباً : «مفهوم الغاية » ـ وهو إثبات الحكم المقيد بغاية لما بعد الغاية ، فما تقرر لغاية ينقضى تقريره بزوال أو انتهاء الغاية التى تقرر من أجلها .

وللألفاظ التى تعرض للباحث تقسيمات أخرى من حيث شمولها ، فمنها العام والخاص ، وذلك يثير تقييد الخاص للعام إذا قيده ، ويطرح مشكلة تعارض العام والخاص ، وما الحكم إذا تعارضا . ومنها المطلق والمقيد ، وما اتصل بذلك من حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم والموضوع ، أما إذا اختلفا فى الحكم واتحدا فى السبب ، فلا يحمل المطلق على المقيد إلاَّ بقرينة أخرى أى بدليل آخر مستقل .

هذا ولا بد للباحث أن يفطن إلى أن صيغ التكليف متنوعة بتنوع التكليف ذاته، فمثلا يعرف المباح بأحد أمورٍ ثلاثة : إما النص على نفى الإثم، أو النص على الحل الأصلى ما لم يقم دليل على تحريمه، أو النص على الحل مثل قوله تعالى : «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ »..

ومثلاً يعرف الطلب، سواء كان طلب الفعل أو طلب الكف، إما بعبارة صريحة مثل قوله تعالى : «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ » ، وقد اختلفت الصيغ الدالة على الطلب، والصيغ الدالة على الكف أو التحريم أو النهى، وصيغة الأمر وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء أى أن يكون الآمر أعلى من المأمور، وهذا الأمر إما أن يكون على وجه اللزوم، أو على وجه الندب . والأصل أن الأمر فى القرآن والسنة هو على وجه الوجوب ما لم يقم دليل على خلاف ذلك . وكذلك النهى، فهو طلب الكف على وجه الحتم .

هذا قليل من كثير من الأدوات والمفاهيم والمقاييس والضوابط التى يجب أن يلم ويتعامل بها الباحث فى الشرع لاستخراج العلل والأحكام، قبلته فيها مصادر التشريع، مررنا فى عجالة بالمصدرين الأول والثانى منها : القرآن الحكيم، والسنة المطهرة، لنقف معًا على أعتاب الإجماع .. المصدر الثالث والمانح من مصادر التشريع الإسلامى .

شارك الخبر مع أصدقائك