الإسلام يا ناس (2)

شارك الخبر مع أصدقائك

كان الأمل أن نواجه الجنوح الذى استشرى، بقيم ومبادئ وأحكام الدين .. فالأديان السماوية تتفق مبادئها فى مقاومة الرذيلة ونشر الفضيلة .. إلاَّ أنه من الغريب اللافت أنه على ارتفاع المد الدينى، وانتشار وذيوع خطابه، خرجت الممارسات عن مبادئ وأحكام وأخلاق وفضائل الأديان، والأدهى أن يأتى الخروج على هذه القيم من المتشحين شعاراً وخطاباً بالإسلام !!!

بدا وكأننا نواجه الجنوح الذى كان، بجنوح أشد .. فى السالف لم يكن أحدٌ يمارى فى أن الجنوح جنوح حتى وإن استعصى تقويمه، أو عَزَّ علاجه، فصرنا نتحايل لتبرير الجنوح وتسميته بغير مسماه، والمماراة فى حقيقته وواقعه، وكنا نتعلم حتى فى انحرافاتنا، أن الأسوة الحسنة أصل يَرُد الشرور والخطأ والهبوط والجنوح إلى السواء .. وعى حتى البسطاء والأميون، ما تردده الآية الكريمة : «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا » (الأحزاب 21). تعلم المسلمون من الأسوة المحمدية إيمانه وتعبده، إخباته وتهجده، إخلاصه ووفاءه، صدقه وأمانته، أخلاقه وسجاياه، صفاته وشمائله . وفهموا أن الأسوة رباط يتوجب استمراره، ليتأسى بها اللاحقون من السابقين، ويتعلم الصغير من الكبير، والجاهل من العالم، ويضاهى فى مسلكه مسالك الأبرار الأنقياء الأتقياء الصالحين، ويضرب كل منهم بنفسه مثلاً ليكون أسوة لمن حوله، ولمن يأتون من بعده .

فجأة، وعلى عكس ما توجبه الثورة على الفساد، ضاع معنى الأسوة، ولم يعد كثيرون يتأسون تأسياً حقيقياً صادقاً بالصالحين، ولا عاد معظم الممارسين معنيين بأن يكون سلوكهم وأن تكون أعمالهم قدوة .

تحت نداء العدل، وهو مكرمة وواجب، ضاع الصدق والإنصاف، واستساغ كثيرون أن يسطروا علنا وجهراً، أم سراًّ وتخفياً بلا توقيع، آلاف الآلاف من البلاغات، لا للصدق والعدل والحساب المنصف، وإنما للتشفى والإيذاء والانتقام، وعلى غير حق، مستغلين أن النيابة العامة مضطرة تحت ضغط الرياح التى هبت، وليتها حافظت على استقامة توجهها، إلى عدم مواجهة من يثبت كذبه بما يفرضه القانون من مساءلةٍ وجزاءٍ وعقابٍ عن البلاغ الكاذب والسب والقذف وقول الزور والشهادة الزور .. وهى محرمات ينهى عنها الإسلام، مثلما هى جرائم وضعية .. فالصدق على رأس منظومة الأخلاق والقيم الإسلامية .. وهو على رأس القيم لأنه شميلة مانحه، يتحلى بها صاحبها، ويثاب عليها، وتدلى بآثارها الطيبة على غيره، فتنصفه من ظلم أو جور، أو تؤيده فى حق، أو تذود عنه تهمة باطلة، أو تنجيه من مضرة متجنية ..

يقول المولى تبارك وتعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ » (التوبة 119).. وتتجلى شميلة الصدق فى الخلق والسلوك العام، مثلما تتجلى فى سداد القول وسلامة النية وأمانة الشهادة .. فيقول عز من قائل : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا » (الأحزاب 70).. والقول السديد، والصدق، هما جناح الشهادة التى اشترط القرآن ألاَّ يؤتمن عليها إلاَّ ذوى العدل، وأوصاهم أن يقيموها لوجه الله الحق، فجاء فى الكتاب المجيد : « وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا » (الطلاق 2).

ولأن الشهادة لله، فالكذب والزور فيها عصيان لله، وكتمانها نكول عما يوجبه الله، بل إن كتمانها ظلم وجور والظلم ظلمات يوم القيامة، ويقول الحكم العدل فى قرآنه المبين : « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » (البقرة 140).

والشهادة واجب لأنها اتصاف الحق والعدل، والشاهد مأمور بأداء الشهادة الصادقة إذا دُعِىَ لأدائها، فيقول القرآن المجيد : « وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ » (البقرة 282).. وفى الحديث الشريف «الساكت عن الحق شيطان أخرس ». والشهادة من أجل هذا كله أمانة، يوصى بها الحكم العدل تبارك وتعالى فيقول : « فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ » (البقرة 283).

وكتمان الحق، ناهيك بقول الزور، من الأوزار الجسيمة التى ينهى الإسلام عنها، ويحذر منها، فجاء فى القرآن المجيد : « وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ » (البقرة 42) ، واعتبر الامتناع عن قول الزور، من صفات المؤمنين الذين قال القرآن فيهم : « وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا » (الفرقان 72) ، وقرن قول الزور فى ذنبه الكبير بعبادة الأوثان، فقال عز من قائل : « فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ » (الحج 30).

والبلاغ الكاذب، ينطوى فضلاً عن باطله وزوره وكذبه، على سب وقذف بغير حق فى شرف وعرض وحق عباد الله .. وكل ذلك مذموم ومنهى عنه فى الإسلام .. يقول الرسول ﷺ .. « إياكم والفحش فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش » ، ونهى عن سب قتلى بدر من المشركين فقال : « لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شىء مما تقولون وتؤذون الأحياء إلا أن البذاءة لؤم » ، وعنه ﷺ : « ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحش ولا البذىء » ، وعنه ﷺ : « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ».

رغم الخطاب الإسلامى وما يلزم به من الالتزام الصدق والأمانة، رأينا ونرى بلاغات كاذبة مطوية على كل هذه الموبقات التى ينهى عنه الإسلام، ورأينا ونرى خطابات سياسية فارقت وتفارق الصدق وما يقتضيه، والأمانة وما تلزم به . فصب ذلك كله فيما نراه ونعانى منه من فوضى لابد أن تفرز مظالم، وتدلى إلى الأجيال بقيم مغلوطة لا تتوافق ولا تتفق مع الأديان بعامة، ولا مع الإسلام بخاصة، فماذا نحن قائلين لأولادنا غداً، بل بماذا سوف نعتذر غداً لبعضنا عما قارفناه بأمس فى حق بعضنا بغير حق

ولا صدق ولا إنصاف .. إن دوام الحال من المحال، ولابد لكل يوم أن يكون له غد، فما هو عذرنا غدًا فيما جنيناه على الثورة التى كانت فى البدايات مبشرة، وما هو عذرنا عما غالطنا وخالفنا به عن الإسلام ومبادئه وقيمه؟ ! الإسلام يا ناس !!!

شارك الخبر مع أصدقائك