شريف عطية

الإسلام يا ناس (18)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

الإسلام لا يتعرض فقط فى هذه الأيام، لحملات أعدائه وكارهيه، وإنما هو مبتلى من بعض أبنائه، منهم من أخذه التطرف بعيدا فجعل يسئ بسلوكياته الجامحة الشاردة إلى الإسلام، والإسلام برئ مما يفعل ويسلك، ومنهم أنصاف متعلمين تصدوا للدعوة وطفقوا يشردون ويتوهون ويسيئون من حيث لا يعرفون ولا يحسنون، ومنهم من جعل يجترئ على الإفتاء بغير علم، ومنهم من إنضوى فى تنظيمات ما يسمى بالإسلام السياسى، أو فى تنظيمات تتخذ الإسلام شعارا أو اسما لها، أو تبدى أنه غايتها وأنها تسعى لتطبيقه والحكم به بدعوى أنه غير مطبق ولا التزام به فى الحكم.. ويرى كثيرون وهذا هو وجه الخطر على الإسلام أن مجرد انضوائه فى حزب إسلامى أو جماعة إسلامية، يجعله من رجال الدين، ويعطيه الحق فى أن يفسر فى الدين، ويفتى فى الدين، ويطلب تغيير القوانين والقواعد لتوافق الدين الذى يعتقده ويراه، ومنهم من ينشد تضمين دستور البلاد ذاته بما يعتقد ويرى أنه من الدين بالضرورة، وواجب من ثم تضمينه الدستور ليكفل له أن يحكم البلاد والعباد.

فهل كل من اقتحم دنيا السياسة وأغراضها بغطاء الدين على علم حقيقى بالدين، وعلى رغبة صادقة فى التزام نهجه فى حركته أو فى مسالكه أو فى صعوده السياسى وطلبه الريادة والقيادة ؟!

إن الدنيا مليئة بمتدينين يعبدون الله فى سكون ووقار وصمت، لا أغراض لهم سوى عبادة الله والتزام أوامره ونواهيه، والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، لا تشغلهم دنيا السياسة وأغراضها، ولا يتاجرون بالدين فى سعيهم الشريف الجاد فى الحياة، لا تشغلهم مباهاة ولا استعرض بالدين، ومن هؤلاء مئات الملايين الذين يعمرون الدنيا فى صدق وأمانة ونزاهة وتجرد.. لا يبغون من وراء تدينهم وشرف سعيهم وصدق عملهم لا يبغون صدارة ولا منصبًا ولا جاهًا..

وقد رأينا خروجًا عن قيم ومبادئ وشمائل الإسلام، من أفراد قدموا أنفسهم إلى الناس باسم الإسلام، فإذ بأحدهم يدعى كذبًا بعد أن أجرى جراحة تجميل سرًا، بأنه تعرض لاعتداء غاشم سُرق منه فيه مبلغ ضخم من النقود، وإذا بآخر دخل البرلمان متشحا بالإسلام يضبط فى الطريق العام فى أوضاع مخلة مع فتاة أحيل للمحاكمة عنها بجريمة فعل فاضح علنى، وإذا بآخرين يقتلون شابًا فى السويس باسم الغيرة على الإسلام، وإذا بمتطرفين لم يفهموا الإسلام يقتلون فى الدقهلية أخوين بدعوى أنهما يمارسان عزف الموسيقى وهى محرمة بنظرهم فى الإسلام، ورأينا بعض المنتمين إلى فصيل إسلامى ينادون ويَشْرعون فى هدم الأضرحة، وبعضهم يقيم محاكمة لشخص ويقطعون أذنه، وآخرين يستهدفون التماثيل الأثرية أو الفنية بالتدمير بمقولة إنها حرام، وآخرين يهدمون المقابر والأضرحة، وآخرين يدفعون بالنقاب ليزاحم الحجاب بدعوى أن النقاب من الإسلام وأنه ألزم للحشمة وسواء الأخلاق، وآخرين يقاتلون لفرض ختان الإناث فرضًا وتضمينه الدستور، بدعوى أنه مفروض فى الإسلام، ومنهم من انفتحت شهيتهم لصبايا لا زلن فى سن الطفولة، فأرادوا الزواج بهن بزعم أن ذلك من فروض الإسلام وأن التنصيص على ما يفتح الأبواب لذلك الزواج واجب فى الدستور، ومنهم من يمس دون أن يدرى أو يقصد جلال الله تعالى بالمطالبة بأن ينص الدستور على أن السيادة لله، دون أن يدرك أن جلال الله أعلى من الدساتير، وأعلى وأجل من التنصيص على أن تكون السيادة له فى الدستور، فهو سبحانه وتعالى الواحد الأحد، الخالق البارئ المصور، الوارث الباقى، الحكيم اللطيف الخبير، الحكم العدل، الوهاب الكريم الرزاق، الأول والآخر، الظاهر والباطن، المعز المذل، الغنى الحميد، الرؤوف الرحمن الرحيم، المبدئ المعيد، القادر المقتدر، المعطى المانع، الرافع الخافض، التواب الغفور، السلام القدوس المهيمن، الحفيظ الحسيب، النور الهادى، المنعم المتين النافع، الولى الحميد، المالك الماجد، العليم الواسع المحيط، الحى القيوم، ذو الجلال والإكرام. فكيف للذات الإلهية أن تعامل كما يعامل الناس، وكيف لا تتفطن هذه المناداة إلى أن الدعوة للنص على أن السيادة لله فى الدستور، لا تتفق مع هذا الجلال ومقام الألوهية العالى المتعالى على كل هذه السلطات البشرية؟!

ومن المحزن المؤسف، أن هؤلاء وأولاء يزعمون لأنفسهم علماً بالإسلام لا يدانيه علم، وإخلاصاً للإسلام لا يضاهيه إخلاص، وحقًا فى الحديث باسم الدين لا يعادله حق لأحد مهما عرف وعلم وتفقه وتجرد وأخلص للإسلام، ولا يفارقهم التصلب والتعصب الذى يعطل الفهم، ولا الجمود الذى يوقف نمو ودور العقل، ويرى الغرباء هذا الفكر وهذا الأداء وهذا المسلك وهذا التصلب فيحسبونه من الإسلام، ويحمِّلونه للإسلام، ويعممون ذلك على كل المسلمين، بل ويجترئ بعضهم على الرسول صلى الله عليه وسلم برسوم مسيئة، أو بعبارات ضالة متبجحة!!!

السكوت عن ترشيد ذلك الشطط الجامح، جناية على الإسلام. واجب العلماء الحقيقيين أن يشرحوا وأن يبينوا، والأزهر الشريف وعلماؤه يجاهدون للقيام بهذا الدور ومعهم دار الإفتاء، ورهط من أهل الذكر.. يشرحون ويبسطون ويبصرون، ولكن دون جدوى، من أجل ذلك أردت بما نقلته عن الأصوليين، وعن أساتذة أجلاء فضلاء مثل فضيلة الشيخ عبدالوهاب خلاف، وفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة، رحمهما الله، أن أعرض جلال مهمة البحث والاجتهاد والتعرف على الإسلام، والشروط الواجبة لمن يتصدى لذلك، وضوابط ومعايير وأدوات هذا العمل الجليل.. وهو ما التزمه علماء الأزهر، وأخرجوا فيه من الشروح أو الإيضاحات والفتاوى ما أرجو أن أتناول بعضه لنصد عن الإسلام سلبيات من يتكلمون به عن جهل، ويفتون فيه بغير علم!!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »