رجائى عطية

الإسلام يا ناس (10)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

يتفق الأصوليون على المصالح المرسلة، وعلى العرف، كمصدرين من مصادر الاجتهاد للتعرف على الأحكام الشرعية فى الإسلام، ولكن بعضهم كأستاذنا الجليل فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف يضع المصالح المرسلة فى الترتيب قبل العرف، بينما يضع أستاذنا الجليل فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة العرف سابقا فى الترتيب على المصالح المرسلة.

وبغض النظر عن أننى أميل إلى ترتيب فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف، فإننى أرى أن المصالح المرسلة يجب أن تسبق العرف فى الترتيب لأنها يمكن على مرور الأيام أن تكون هى من عناصر تكوين العرف، فهى تدخل أو يمكن أن تدخل فى العرف، إلاّ أن المصالح المرسلة مستقلة موضوعًا واستخلاصًا عن العرف، فكان أولى أن تسبقه فى الترتيب.

ويتفق الشيخان الجليلان، مع اختلافهما آنف الإشارة فى الترتيب، على تعريف واحد للمصالح المرسلة، فيقول فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف إن المصلحة المرسلة أى المطلقة، فى اصطلاح الأصوليين: هى المصلحة التى لم يشرع الشارع حكما لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعى على اعتبارها أو إلغائها، وسميت مطلقة لأنها لم تقيد بدليل اعتبار أو دليل إلغاء. ومثالها المصلحة التى شرع الصحابة من أجلها اتخاذ السجون أو ضرب النقود أو إبقاء الأرض الزراعية فى البلدان المفتوحة فى أيدى أهليها أو غير ذلك من المصالح التى اقتضتها الضرورات أو الحاجات أو التحسينات ولم تشرع لها أحكام، ولم يشهد شاهد شرعى باعتبارها أو إلغائها. وهنا يتضح أن تشريع الأحكام ما قصد به إلاّ تحقيق مصالح الناس، سواء بجلب المنفعة لهم أو بدفع الضرر أو رفع الحرج عنهم. مأخوذا فى الاعتبار أن مصالح الناس لا تنحصر أنواعها ولا جزئياتها، ولا تتناهى أفرادها، وتتجدد بتجدد الحياة وتطور أحوال الناس والبيئات، ولذلك كان متصورا أن تشريع حكم ما قد يجلب نفعا فى زمن وظرف ما، وقد يجلب هو هو ضررًا فى وقت وظرف آخر. بل إنه فى الزمن الواحد، قد يجلب نفعًا فى بيئة، ويجلب ضررًا فى بيئة أخرى.

ولم يبتعد فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة عن عناصر هذا التعريف، وهو يبدأ حديثه عن المصالح المرسلة بإشارة فى محلها إلى أن الشريعة الإسلامية قد اشتملت أحكامها على مصالح الناس، فقد قال الله تعالى: ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ” (الأنبياء 107)، وقال أيضا: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ» (يونس57).. والمصلحة التى تشير إليها الآيات القرآنية واضحة لذوى العقول المستقيمة، وإن اختفت على البعض أو اختلف فى شأنها البعض، وأبعد كل فريق من هؤلاء فيما يراه.

ويقفى فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة فيبدى أن المصالح المعتبرة هى المصالح الحقيقية، وهى ترجع إلى خمسة أمور: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.. فهى قوام الدنيا والحياة اللائقة بالإنسان.

ومع اتفاق فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف مع هذه المصالح الشرعية، فإنه عنى بأن ينبه إلى أن هناك مصالح وإن أمكن ردها إلى الأنواع السابقة اقتضتها البيئات والطوارئ بعد انقطاع الوحى، ولم يشرع لها الشارع أحكامًا مثل ما شرعه لحفظ الدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال ولم يقم دليل منه على اعتبار هذه المصالح أو إلغائها أو رفضها، ومن ثم فإن هذه المصالح تسمى المناسب المرسل، أو بعبارة أخرى المصالح المرسلة، مثل المصلحة التى اقتضت أن الزواج الذى لا يثبت بوثيقة رسمية لا تسمع الدعوى به عند الإنكار (واقتضت المصلحة بعد ذلك تغيير النظر فى شأن إثبات نسب المولود)، ومثل المصلحة التى اقتضت أن عقد البيع الذى لا يسجل لا ينقل الملكية، فهذه كلها مصالح لم يشرع الشارع أحكامها، ولم يدل دليل على اعتبارها أو إلغائها، فهى من ثم مصالح مرسلة.

وذهب جمهور العلماء إلى أن المصلحة المرسلة «حجة شرعية» يبنى عليها تشريع الأحكام، وأن الواقعة التى لا حكم فيها بنص أو إجماع أو قياس أو استحسان، يشرع فيها الحكم الذى تقتضيه

المصلحة المطلقة، ولا يتوقف تشريع هذا الحكم بناء على هذه المصلحة على وجود شاهد من الشرع باعتبارها. ودليلهم على ذلك أولا أن مصالح الناس تتجدد ولا تتناهى، فإذا لم تشرع الأحكام لما يتجدد من مصالح الناس ولما يقتضيه تطورهم، لعطلت كثير من مصالح مشروعة للناس فى مختلف الأزمنة والأماكن، ووقف التشريع عن مسايرة تطورات الحياة والناس ومصالحهم، وهذا لا يتفق مع مقاصد التشريع والشارع. ودليلهم على ذلك ثانيا ما درج عليه الصحابة عليهم الرضوان من تشريع أحكام كثيرة لتحقيق مطلق المصلحة، لا لقيام شاهد باعتبارها. كجمع الصحف المفرقة المدون فيها القرآن، ومحاربة ما نعى الزكاة، واستخلاف عمر بن الخطاب، وإيقاف عمر سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات، ووضع الخراج وتدوين الدواوين واتخاذ السجون ووقف تنفيذ حد السرقة فى عام المجاعة، وقيام عثمان بن عفان بجمع المسلمين على مصحف واحد ونشره وحرق ما عداه، وتوريثه زوجة من طلق زوجته للفرار من إرثها، وحجر الحنفية على المفتى الماجن والطبيب الجاهل والمكارى المفلس، وإيجاب الشافعية القصاص من الجماعة إذا قتلوا الواحد، وجميع هذه المصالح التى أقرها الصحابة والتى قصدوها بما شرعوه، هى مصالح مرسلة، وشرعوها بناء على ما فيها من مصلحة، وهو ما يتفق مع مقاصد الشريعة والشارع.

على أن هناك من الظاهرية من استبعدوا المصالح المرسلة، التزامًا فيما رأوا بظواهر النصوص، حتى أنهم نفوا القياس، وهناك من التمسوا المصالح من النصوص، ولكن شريطة التعرف من عللها على مقاصدها وغاياتها، ولا ينظرون إلى المصلحة إلاّ إذا كان لها شاهد من دليل خاص حتى لا يختلط عليهم الهوى الموهم للمصلحة بالمصلحة الحقيقية، ومن ثم فلا مصلحة حقيقية عندهم إلاّ إذا شهد لها نص خاص أو أصل خاص، وهناك من قرروا أن كل مصلحة تكون من جنس المصالح التى يقررها الشارع الإسلامى، بأن يكون فيها محافظة على الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال، ولكنهم لا يشترطون أن يشهد لها نص خاص أو أصل خاص حتى تصلح قياسا، ويقرون بأنه يؤخذ بها على أنها دليل قائم بذاته، وهذه هى ما سلف بيانه للمصالح المرسلة أو الاستصلاح الذى لا يناهض بل يتفق مع مقاصد الشريعة والشارع.

ويضع الأصوليون شروطا للاحتجاج بالاستصلاح أو المصالح المرسلة، أن تكون المصلحة حقيقية وليست وهمية أو مفتعلة، وأن تكون مصلحة عامة لا شخصية، وأن تكون معقولة بذاتها، وتلائم مقاصد الشارع، وأن لا تعارض مبدأ ثبت بالنص أو الإجماع، ويزيد البعض أن يكون فى الأخذ بها رفع حرج لازم، والله تعالى يقول «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الحج 78).

وعلى هذا الاستصلاح أو المصالح المرسلة، تحفظ من أشرنا إلى بعضهم، ونعى ابن القيم على نفر من المسلمين أفرطوا فى رعاية المصلحة المرسلة، فجعلوا الشريعة قاصرة، لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة، ومنهم من أفرطوا فسوغوا ما ينافى الشرع وأحدثوا شرًا طويلاً وفسادًا عريضًا.

على أننى أميل إلى ما ختم به أستاذنا الجليل فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف، وقريب من معناه ما أبداه فضيلة الشيخ أبو زهرة، من أنه يرى ترجيح بناء التشريع على المصلحة المرسلة، لأنه إذا لم يفتح هذا الباب جمد التشريع الإسلامى، وتوقف عن مسايرة الأزمان والبيئات. وأن من قال إن كل جزئية من جزئيات مصالح الناس، فى أى زمن وفى أى بيئة، قد رعاها الشارع، وشرع بنصوصه ومبادئه العامة ما يشهد لها ويلائمها، فإن قوله هذا لا يؤيده الواقع، وأنه مما لا ريب فيه أن هناك مصالح تستجد لا يظهر شاهد شرعى على اعتبارها بذاتها.

وعلى من يخاف من العبث والظلم وإيقاع الهوى باسم المصلحة المطلقة، أن يدفع خوفه هكذا قال فضيلة الشيخ خلاف بأن المصلحة المطلقة لا يبنى عليها تشريع إلاّ إذا توافرت فيها الشروط التى بيناها، ومجملها أن تكون مصلحة عامة حقيقية لا تخالف نصًا شرعيا ولا مبدأ شرعيا.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »