رجائى عطية

الإسلام دين محبة وسلام

شارك الخبر مع أصدقائك

ليس فى وسعى فى إطار الحيز المقيد به أن أنقل إليك كل ما تناوله الأستاذ العقاد من موضوعات بالغة الأهمية فى هذا الكتاب.

وحسبى أن أختم هذا الحديث عما كتبه عن الإسلام دين المحبة والسلام.

فالإسلام دين سلام ومحبة وإخاء، يتوخى السلام ويحث عليه، ولكنه يبغى سلام الحق وسلام القوة، لا سلامًا ذليلاً يفرضه العجز أو الضعف..

ولذلك لم تضع شريعة القرآن- السيف قط فى غير موضعه , ولم تستخدمه قط حيث يمكن الاستغناء عنه بغيره.. فلم تشرع القتال إلاَّ لضرورة رد العدوان دفاعًا عن النفس والعقيدة، أو ضرورة حماية الدولة الإسلامية ورد المغيرين عليها، وضرورة الدفاع عن المظلومين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق..

ولا سبيل لانتشار الإسلام إلاَّ بالإقناع والموعظة الحسنة والهداية..

«لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» (البقرة 256).

«فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» (البقرة 194).

«وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ»(البقرة 190).

عرف الإسلام، دين الحق، أنه لابد لكل حق من قوة تحميه.. لأن القوة لا تحارب بالحجة والبينة.. فحث المسلمين على جمع أسباب القوة والمنعة , وحشد الطاقات.. وأعلمهم أن المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ولكنه لم يشجعهم بل نهاهم عن الإثم والبغى والعدوان.. وهذه هى فحوى الفلسفة القرآنية الحكيمة فى شرعة الجهاد، وهى فلسفة حكيمة فى كل ما تناولته من شئون المسلم.. فى دينه ودنياه..

الدعوة الإسلامية فى العصر الحديث

وصلت الدعوة الإسلامية فى نحو مائة سنة من مكة إلى حدود الهند والصين شرقًا إلى شواطئ البحر الأطلسى غربًا، ودخل فى الإسلام معظم القاطنين بين هذين الطرفين البعيدين..

وفى أقل من خمسين سنة شاع الإسلام بين أبناء القارة الأفريقية الذين اتصلوا بالبلاد الإسلامية، وجاء الاستعمار الأوروبى فى القرن التاسع عشر الميلادى ليجد الإسلام على هذا الانتشار المتجدد بين أبناء القارة..

وقد حاول المبشرون بقوة الاستعمار، وحاولوا بأموال الحكومات والجماعات الدينية- حاولوا أن يدركوا الإسلام , ولكنهم لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً على مدى مائة وخمسين سنة استخدموا فيها كل وسائل الدعاية والإقناع.

وكما عللوا انتشار الإسلام بقوة السيف، حاولوا أن يعللوه أو يعللوا إخفاقهم بإباحته تعدد الزوجات.. فالأفريقى- على زعمهم- لا يقبل على الإسلام إلا لأنه يبيح له الزواج والتمتع بما يشاء من النساء.

وهذه بدورها خرافة أخرى من خرافات المتقولين.

فالإسلام يمنع الخمر ويحرمها، وهى على الأفريقى أيسر منالاً من الزوجات والسرائر، ومع ذلك لم يحجم الأفريقيون عن الإسلام أو ينصرفوا عنه لغيره..

إنه دين الدعوة أو الرسالة الحكيمة، والآفاق العالمية.. وهو لذلك أخشى ما يخشاه الاستعمار والمستعمرون..

ولذلك أيضًا لم يبال خصوم الإسلام، أن يتحالفوا ضده ويتهادنوا فيما بينهم إلى حين، ورغم تلك العداوة التى تفرق بينهم فى غير ذلك من الميادين..

فهم يدركون كل الإدراك أن خطر الإسلام عليهم باق لا ينقضى، وينظرون إلى أخطار الأعداء الآخرين فيحسون وهنها ويستشعرون أنها إلى زوال..

ولا أدل على ذلك- كما يلمح الأستاذ العقاد- من مواقف المستعمرين والمبشرين من الخطر الصهيونى، فإن عداوة هؤلاء لبنى إسرائيل أشد من عداوتهم للإسلام والمسلمين من قديم الزمن، بيد أنهم يشعرون بضآلة الخطر الاسرائيلى بالنسبة لهم بالقياس إلى
الخطر الإسلامى.. فالصهيونية مأمونة الجانب بالنسبة للغرب، فهى تعتمد اعتمادًا كبيرًا على عون الغرب وفى مقدمته الولايات المتحدة، وبذلك يمكنهم السيطرة عليها كلما جاوزت حدها، ولذلك تحالفوا مع إسرائيل لحاجتهم إليها وحاجتها إليهم فى مغالبة الإسلام والمسلمين، وستظل الحاجة بينهم متبادلة طالما قامت أسبابها وخططها !!

أما الإسلام فقوته وخطره أشد وأبقى على الزمن، لأن عناصر قوته كامنة فيه غير مستمدة من الغرب أو سواه، ويوشك أن يزداد خطره مع اليقظة والتقدم.. فى الوقت الذى يزداد فيه الاستعمار وربائبه ضعفًا على ضعف مع تخاذل حكوماته وشعوبه، وتتصاعد حركات التحرر الوطنى فى القارة الأفريقية وبين الشعوب المغلوبة، والتى تتطلع لأخذ مكانها تحت الشمس.. فقط..

ينبغى للمسلمين- فيما ينبه الأستاذ العقاد- أن يعدلوا عن عدم اكتراثهم السابق بتنظيم دعوات التبشير لنشر العقيدة الإسلامية، ويجب التفطن إلى أن القعود عن التصدى لحملات التبشير ليس مجرد إهمال فى نشر الإسلام، وليس مجرد إهمال فى الدفاع عنه، بل هو تسليم بالهزيمة مع مواتاة الفرص للدفاع، وقد تذهب هذه الفرص.. ولا تعود !!!

الإسلام والنظم الاجتماعية

يأخذ البعض على الإسلام أنه رغم كونه دين تشريع ومعاملات، فإنه لم يأت للناس بنظام مفصل للشئون الاقتصادية أو للحياة السياسية..

ومن الخطأ الشائع المسارعة إلى نفى هذا الاتهام وتفنيده.. مع انه لا يحتاج إلى نفى أو تفنيد..

فالاتهام إن صح عده كذلك، صحيح فى شكله، ولكنه غير صحيح فى مضمونه !!

وخليق أن يُسْأل هؤلاء الدعاة المتهجمون : هل يناسب جوهر الدين أن يفصل للناس نظم الاقتصاد ونظم السياسة تفصيلاً لا يستطيعون تغييرًا له أو فكاكًا منه على تباين الأزمنة وتباين واختلاف الأحوال!

إن الأحوال المعيشية الاقتصادية والسياسية تختلف من زمن إلى أخر، وتتباين من مكان إلى آخر، ومن شعب إلى شعب غيره.. فكيف يتقيد الناس على اختلاف الأزمنة والأمكنة وتباين الظروف بحدود جامدة يدين بها الناس مئات السنين أو آلافها؟

إنما يناسب الدين أن يبين للناس قواعده التى يستقر عليها كل نظام صالح يأتى به الزمن، ولا عليه بعد ذلك أن تختلف هذه النظم بين أمة وأمة فى العصر الواحد، أو فى الأمة الواحدة بين عصرين مختلفين..

ولذلك أقام الإسلام الاقتصاد على القواعد التى يقوم عليها كل نظام اقتصادى صالح فى كل زمان، وفى كل مكان.. فقرر منع الاحتكار وكنز الأموال، وقرر منع الاستغلال، وقرر أن يتداول المجتمع الثروة حتى لا تكون دولة بين الأغنياء، وقرر للضعفاء والمحرومين حصة من ثروة الأمة..

وإذا تقرر هذا فى مجتمع انسانى فلا حرج عليه أن يتخذ له نظامًا من نظم المعيشة الاقتصادية كيفما كان.. ولا خوف قط على مجتمع يمتنع فيه الاحتكار والاستغلال وإهمال المهملين..

وكذلك، وعلى نفس النهج أقام الإسلام الحكم على أساس الشورى، وأقام التشريع على الكتاب والسنة وباتفاق الإمام والرعية، ثم لا ضرر بعد ذلك أن يتبعوا هذا النظام أو ذاك من نظم الحكم أو الانتخاب أو غيرها من أشكال النظم والحكومات والدساتير..

وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة بمسلم إلى الرد على هذا الاتهام، فالإسلام فيما سنه وشرعه فى هذا الباب قمة من قمم التنظيم الحكيم الدائم على الأيام.. وبين مختلف الأمم والشعوب.. وعلى نحو تصلح به حال الجماعة الإسلامية وتستقيم أمورها.

فهى إذن الفلسفة القرآنية الحكيمة فى كل ما تناولته ونظمته من شئون المسلم فى دينه ودنياه.. فلسفة تستشعر النفس عظمتها وحكمتها وهى تجرى مع الأستاذ العقاد على صفحات هذا الكتاب الذى صد فيه ونافح عن الإسلام..

Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »