الإبداع فى زمن اللا إبداع

شارك الخبر مع أصدقائك

أفكار الخرادلى

أشفق على الجيل الجديد الذى فاتته نهضة ثقافية ومسرحية تمتع بها آباؤه، ووصلت إلى الذروة فى ستينيات القرن الماضى بما قدمته من أعمال راقية، سواء كانت تاريخية أو اجتماعية، مثل أهل الكهف ومجنون ليلى وأنطونيو وكليوباترا،أو دماء على أستار الكعبة أو الفتى مهران وأهلًا يا بكوات والسلطان الحائر وعيلة الدوغرى.والقائمة طويلة.. طويلة، أعمال ساهمت فى تشكيل شخصيتنا ووجداننا بما كانت تحمله وتقدمه من قيم ومبادئ، وللأسف لا يخطر على بال أى مسئول فى تليفزيون الدولة أن يعيد عرض تلك الأعمال لتعوضنا عن الإسفاف الثقافى الذى أصبح سمة العصر، والذى بدأ بمسرحية «مدرسة المشاغبين» والتى فى مقابل النجاح المنقطع النظير الذى حققته عند عرضها الذى استمر سنوات وأفرزت عمالقة فى التمثيل وحقق أبطالها نجاحات وضعتهم على قمة عالم الفن، ليس فى مصر وحدها ولكن فى كل ربوع العالم العربى، أمثال الراحل أحمد زكى وعادل إمام وسعيد صالح، لكن كانت بداية لانحدار ثقافى وقيمى، ومن أهم مظاهره انحدار قيمة الاحترام خاصة احترام الصغير للكبير.

منذ هذا التاريخ تجلى تجريف الشخصية المصرية التى أصبحت أكثر ميلاً للسلبية والسوداوية واللامبالاة وتجردت من المكونات الإيجابية التى كانت تميز الإنسان المصرى مثل السماحة وحسن الخلق والتدين الوسطى الذى كان يتميز به حتى وصلنا إلى ما نراه الآن، شخصية فقدت لدى الكثيرين كل الجوانب الإيجابية التى عُرفت بها على مدى آلاف السنين، أصبحت الشخصية المصرية شخصية رافضة، متشككة، مخونة مادية، شرسة، عدوانية، أنانية، لا تقبل الآخر ولا رأيه، شخصية مؤمنة بنظرية المؤامرة حتى على الصعيد الشخصى، فمن ليس معى فهو ضدى. وتحت دعاوى حب الوطن يخون المصرى شقيقه المصرى.شخصية لا تحترم الكبير ولا تكتفى برفض خبرته وإنما يصل الأمر لدى البعض إلى رفض وجوده أساسًا، ورغم هذا المناخ المحبط يخرج علينا المبدع العبقرى المخرج خالد جلال بأحدث إبداعاته «بعد الليل» ونحن لم ننس بعد، ولا أتصور أننا سننسى أبدًا عبقريته «قهوة سادة»، هذا المخرج الذى لا أرى فنانا آخر لديه إيمان أن عليه رسالة تجاه المسرح والفن والثقافة، وتكوين جيل جديد من الفنانين الشباب الجادّين مثله، واتخذ من مركز إبداع دار الأوبرا جامعة تعرض إبداعاته وإبداعات شباب الفنانين الذين يتبناهم ويرعاهم فى زمن عزت فيه الرعاية.

تتميز «بعد الليل» عن كل المسرحيات بأنها ابتعدت عن الصيغة التى ظلت لسنوات هى الأكثر جذبًا للمشاهد، وهى انتقاد وتشريح الأنظمة والحكام خاصة السابقين، ولكنها استخدمت مشرط جراح لفتح «خراج» اجتماعى من خلال نقد الشخصية المصرية وما أصابها من تجريف فى إشارة إلى أنه ليست الأنظمة فقط هى الفاسدة وتستحق الإسقاط، ولكن عيوب الشعب نفسه لا تقل سوءًا ولا خطورة عن عيوب الأنظمة والحكام.

أما الأداء التمثيلى فهو مفاجأة، خاصة أن المسرحية هى عرض تخرج الدفعة الاولى لقسم التمثيل باستوديو المواهب، أداء مذهل دون مبالغة، يتفوق أداء بعضهم على أداء عباقرة التمثيل، واستطاعوا تعويض بساطة الديكور والملابس التى تصل إلى درجة الفقر وإن كان هذا ليس عيبًا بكل تأكيد، بل على العكس أبرزت تلك البساطة عبقرية الأداء.

سوف تقدم «بعد الليل» بكل تأكيد للفن عددًا من الفنانين المتميزين تمامًا مثلما قدمت «قهوة سادة».
إنه الإبداع فى زمن اللا إبداع.

شارك الخبر مع أصدقائك