رجائى عطية

الأنصـار العطاء والإيثـار (86)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :

فى ذى طُوى، على أعلى مداخل مكة، جعل الجميع مسلمين ومكيين، يراقبون فى إجلال مشهد رسول الله ﷺ مستويًا على ناقته القصواء، يرتدى عمامة سوداء وقد أرخى طرفها بين كتفيه، حتى إذا ما تهيأ لدخول مكة عند «أذاخر».. وهى ثنية بين المدينة ومكة، لاحظ الناس أن النبى ﷺ يحنى هامته خشوعًا وتواضعًا وشكرًا لله، حتى كادت لحيته تمس وسط الراحلة!

بادر العباس، فاستأذن النبى ﷺ، وطار إلى مكة ليعطى لأهلها الأمان، بينما لا يخفى النبى عليه الصلاة والسلام قلقه على عمه أن يغدر به بعض مشركى قريش فيفعلون ما فعلته ثقيف بعروة بن مسعود حين دعاهم إلى الله فقتلوه!

ولكن العباس أدى مهمته فى سلام، وطفق ينادى فى الناس بالأمان، ويدعوهم إلى الإسلام.. والتقى فى بعض مكة بأبى سفيان ينادى بدوره فى الناس وأن أخذه الوجل والاضطراب بأن يسلموا يسلموا، وينادى فيهم مزهوًا أن من دخل دار أبى سفيان فهو آمن!

استنكر بعض القرشيين نداء زعيمهم أبى سفيان، وقال له بعضهم: «قاتلك الله، وما تغنى دارك؟!»، فنادى فيهم معقبًا: «ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن..».

بيد أن زوجته هند بنت عتبة، استقبلت ما جاء به بالنكير، وانتهرته وقد اعتراها غضب جامح – فقالت له: «قبحك الله رسول قوم!»

إزور عنها أبو سفيان، ومضى يجوب مكة وينادى فى القرشيين بان محمدًا قد جاءهم بما لا قبل لهم به، فى عشرة آلاف عليهم الحديد، بينما تولول زوجته هند: قبحك الله وافد قوم! قبحك الله طليعة قوم.. وتشتط فتنادى فى الناس: اقتلوا هذا الحميت (البدين كثير الدهن) قبحه الله من طليعة قوم!

إنفلت منها أبو سفيان، وجعل يقول للقرشيين: «ويلكم! لا تغرنكم هذه عن أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به.. رأيت الرجال والكراع، فليس لأحدٍ بهذا طاقة! ومضى أبو سفيان وقد تملكه خليط من الزهو والخوف والاضطراب.. يردد نداءه من دخل بيته فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن»

دخل المسلمون مكة بغير قتال، فلم يلاقوا كيدًا، وضربوا لرسول الله ﷺ قبة بالحجون، بينما انطلق المنادون يأمرون المجاهدين بأن يكفوا أيديهم وألاَّ يقاتلوا إلاَّ من يبادئهم بقتال.

تتابع وصول كتائب الإسلام.. وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين الذين دخل بهم، ووقف بمن معه عند الرسول ﷺ، فَأَمَّرَه عليه السلام على «الحسّر».. أو المشاة العزّل بلغة اليوم، ودخل الزبير بن العوام من ناحية «كدى».. وهو جبل بيسار مكة من على المجنبة اليسرى، وعند الحجون غرز رايته.

ومن أعالى مكة من ناحية «كداء» دخل الأنصارى سعد بن عبادة ومن معه، يحمل رايتهم إبنه قيس بن سعد بن عبادة كما أمر الرحمة المهداة عليه السلام.. وطفق أهالى مكة يرقبون كتائب الإسلام فى وجل وإنبهار، ويدركون أنهم بالفعل لا قبل ولا طاقة لهم بصد هؤلاء، ويتعجبون من رفق النبى – ﷺ – ونهيه المسلمين عن القتال.. يتساءلون فيما بينهم كيف يفعل ذلك ولا يبطش بهم وقد آذوه وأخرجوه!

على أنه فى سفح «الخندمة»، وهو جبل بمكة، تنحى صفوان بن أمية , وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن ابى جهل يتناجون فيما عساهم يفعلون.. يدور بذهنهم ما سلف منهم من تآمر وحرب وإيذاء النبى والمسلمين، ويدور برءوسهم أنهم لن يُغْفر لهم ذنب فى هذا اليوم العصيب الذى توشك فيه كتائب الإسلام أن تغشى مكة كلها من أعلاها وأسفلها.. فماذا عساهم أن يفعلوا.. إنهم على ضيق مما هم فيه.. لا يجدون بدًّا من تأليب الناس على القتال، ويصيحون فيهم مؤلبين مستحثين، فينضم إليهم ناس من قريش وناس من بنى بكر وهذيل، يتدرعون بالسلاح ويتحفزون للقتال.

عند «الخندمة»، اجتمع بعض الناس إلى الثلاثى المؤلب: عكرمة بن ابى جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو.. وزاد عليهم حماس بن قيس بن خالد.. وقد تترسوا بالأسلحة، وتدرعوا بالحديد، وتربصوا مقدم المسلمين، وأخذتهم الحماقة فجعلوا يقذفون بالسهام والنبال طلائع خالد بن الوليد الذى جاء من «الليط» بأسفل مكة فى قبائل أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة، ويندفع هذا الثلاثى ومن إنضم إليهم إلى قتال أحمق!!

(يتبع) 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »