رجائى عطية

الأنصار العطـاء والإيثـار (8)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :

لم يكف اليهود قط عن مجادلة النبى عليه الصلاة والسلام، وعن الدس له وللمسلمين، ولم يتوقف الأنصار قط عن كفالة الإسلام وصدق الطاعة والبلاء لرسوله المصطفى عليه السلام.. ولست أريد أن أترك بلاء وصدق عطاء الأنصار، لأتحدث عن دس ومؤامرات اليهود.. فغايتى هنا بيان ما قدمه الأنصار من عطاء وما وفروه من بيئة حاضنة للإسلام قوامها الحب والإخلاص، وهى التى هيأت للدعوة أن تمضى فى سبيلها محفوفة بهذه الأنسام والمحبات.

فى أحد الأيام، كان النبى عليه السلام فى طريقه لعيادة الأنصارى سعد بن عبادة من مرض أَلمَّ به، فمر فى طريقه بعبد الله بن أبى بن سلول فى مجلس له وحوله رجال من أهله، فأحب عليه السلام ألاَّ يمر عليهم راكبًا، واستحسن أن ينزل من على مطيته ويسلم على القوم، ومضى بهم الحديث حتى تكلم عليه الصلاة والسلام فى بعض ما نزل من آيات القرآن الكريم يذكر بالله تعالى، ويبشر وينذر، فما كان من عبد الله بن أبى بن سلول إلاَّ أن قال للنبى فى جفاء وغلظة:«يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا إنْ كان حقًّا، فاجلس فى بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تَغْشَهُ فى مجلسه بما يكره منه!».

ما إن سمع الأنصار هذه القالة الغليظة المنكرة، حتى هبوا غاضبين مقاطعين، وانبرى الأنصارى عبد الله بن رواحة ليقول للرسول ﷺ: «بل أغشنا بحديثك يا رسول الله، وائتنا فى مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله ما نحب، ومما أكرمنا الله به وهدانا إليه».

وحين يرى الأنصار أن بعض المنافقين جعلوا يرتادون المسجد النبوى وهم يضمرون بحديثهم إلى بعضهم أن يفسدوا على المسلمين صلواتهم، ويشوشوا عليهم، يبادرون إلى استئذان الرحمة المهداة عليه السلام لردّهم عن ارتياد المسجد، وينادى أبو أيوب خالد بن زيد الأنصارى على المنافق عمرو بن قيس، وكان صاحب آلهة بنى غنم بن مالك بن النجار فى الجاهلية، فيدعوه إلى مغادرة المسجد، فتنفلت من الرجل عبارة تكشف نفاقه، فيقول لأبى أيوب الأنصارى: «أتخرجنى يا أبا أيوب من مربد بن ثعلبة».. أبى عليه نفاقه إلاَّ أن يسمى المسجد بأنه «مربد» بنى ثعلبة، ويوالى أبو أيوب وغيره من الأنصار إخراج هؤلاء المنافقين الذين أرادوا العبث والإساءة للمسلمين، ليحفظوا للمسجد جلاله وسلامه.

وسط هذه الرعاية الأنصارية جاء اقتراح الأذان للصلاة من الأنصار، بدلاً من البوق ثم الناقوس اللذين اتُّخِذاَ تباعًا لدعوة المسلمين إلى الصلاة. تقدم الأنصارى عبد الله بن زيد بن ثعلبة أخو بلْحارث بن الخزرج، فروى للنبى عليه السلام بالمسجد رؤيا حضرته، أشار عليه من أتاه فيها بثياب خضر، بأن يبيع«الناقوس»، وبأن ينادوا للصلاة بنداء جعل يمليه عليه فى المنام: «الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلاَّ الله، أشهد أن لا إله إلاَّ الله.. أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.. حى على الصلاة، حى على الصلاة.. حى على الفلاح، حى على الفلاح.. الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاَّ الله..».

فيبدى النبى عليه الصلاة والسلام أنها رؤيا حق، ويطلب إلى الأنصارى أن يقوم مع بلال بن رباح، فيلقنه ما أتاه، ليؤذن به، فإنه أندى صوتًا.. ومن يومها حل الأذان للصلاة، وعبر نيف وأربعة عشر قرنًا، محل الناقوس الذى كان.

وحين نزل القرآن بتغيير القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام بمكة، لم يزد الأنصار على استفسار الرحمة المهداة عما كان من صلواتهم إلى القبلة الأولى فى السالف، فيسأل البراء بن عازب: «وددنا لو علمنا يا رسول الله حال من مات منا قبل أن نُصرف إلى الكعبة، وكيف بصلاتنا قِبَلَ بيت المقدس ؟»، ويسأل أنصاريان آخران عن حكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ولم تتح لهم الصلاة إلى الكعبة، فيجيبهم النبى عليه الصلاة والسلام: «ما كان الله ليضيع إيمانكم.. لم يكن الله ليبطل عمل عامل عمل له عملاً وهو له طاعة، فلا يثنيه عليه»، ثم تلا: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ» (البقرة 143).

● ● ●

لم تكن القوى متكافئة مع كفار قريش، حين خرج المسلمون للقائهم فى بدر.. ويروى الرواة أنه خرج يومها من المهاجرين ثلاثة وثمانون من المهاجرين، وخرج من الأنصار مائتان واثنا عشر: 61 من الأوس، و151 من الخزرج.. وليس معهم جميعًا سوى سبعين بعيرًا يتبادلون الركوب عليها.. وسوى ثلاثة أو أربعة من الأفراس، بينما كانت قريش قد خرجت إليهم بقضها وقضيضها.. يومها رفع لواء المسلمين مصعب بن عمير، وأمامه رايتان يحمل إحداهما على بن أبى طالب، ويحمل الأخرى بعض الأنصار.. رفع الحباب بن المنذر راية الخزرج، ورفع سعد بن معاذ راية الأوس.. وبوادى «ذفران» ترد الأخبار إلى المسلمين بأن قريشًا قد خرجت عن بكرة أبيها، بكامل عدتها، لقتال النبى والمسلمين.. وأن عدتهم أضعاف عدة المسلمين، واستهول البعض كثرة قريش، فوقف إمام العزم الأكبر عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه ما يرون، فطفق البعض يحذر، وآخرون يرون وجوب التمهل وإعداد العدة، هنالك نهض المقداد بن عمرو فقال:

«يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرَك«الغماد» (موضع باليمن) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه..».

دعا له الرسول عليه السلام بالخير، ولكنه استأنف يقول«أشيروا علىّ أيها الناس »، ففهم الأنصار أن السؤال موجه إليهم، فنهض زعيم الأنصار سعد بن معاذ فقال للنبى عليه السلام:«والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟»، فقال له الرسول: أجل. فمضى سعد بن معاذ فقال:

«يا رسول الله، قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك. فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا.. إنّا لصُبُرٌ فى الحرب، صدق فى اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن يمينك وشمالك، وبين يديك وخلفك» هناك شكره النبى عليه الصلاة والسلام، ودعا له بالخير، ووقف يقول للمسلمين:

«سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين»..، ونزل عليه الوحى فتلا عليه من آيات ربه: «كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ» (الأنفال 5 – 8)

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك