الأنصار العطاء والإيثـار ( 88 )

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :

كان فتح مكة، امتحانًا للمسلمين بعامة، وللمهاجرين، وللأنصار بخاصة.. فصلات القربى بين القرشيين، وإن لم تقف فى وجه انتشار الإسلام، وإيمان من آمن، إلاَّ أن الوشائج ما بين وشيجة الدم والقرابة، وصلات النشأة، لم تكن لتزول نهائيًا من المشاعر، ولم تكن لترتفع تمامًا من ثنايا قلوب المهاجرين وهم بسبيلهم لفتح مكة، موطئ نشأتهم، ومرتع صباهم، ومقر ذوى قرباهم..

ولا مراء فى أن مبادئ وقيم الإسلام- وحرمة مكة والبيت الحرام- كانت القاعدة العريضة المتربعة فى قلوب المهاجرين والأنصار وعامة المسلمين، وأن المهاجرين كانوا على استعداد لتخطى هذه القرابات إذا تعلق الأمر بنصر الإسلام ومصير المسلمين، ورأينا ذلك فى المواقع التى سبقت فتح مكة، إلاَّ أن لفتح مكة- فضلاً عن حرماتها- كان ذا وضعية خاصة، لذلك فلا أظنها صدفة أنك حين تبحث عن الأنصار فى فتح مكة لا تكاد تراهم، مع أنهم شاركوا فى الفتح، وكان معظمهم فى الكتيبة الخضراء مع رسول الله ﷺ، إلاَّ أنهم بإيثارهم آثروا أن يتواروا تقديرًا لحساسية القرابات بين المهاجرين وذويهم من قريش، وفيما عدا العبارة عن يوم الملحمة التى أفلتت من الأنصارى سعد بن عبادة، لا تجد واقعة محددة مروية عن هذا أو ذاك من الأنصار، بل وتجد أن سعد بن عبادة، وهو الزعيم فى قومه من الأنصار، قد تقبل عن طيب خاطر أن يسحب منه اللواء ويعطى لأبنه قيس، ولا مراء فى أن اختيار الابن بديلاً عن الأب، إنطوى على ذكاء وحصافة وحكمة، إلاَّ أن الثابت من المرويات أن سعد بن عبادة، تقبل الأمر عن فهم أولاً لخطأ العبارة التى أفلتت منه، وعن طيب خاطر وصدوع تام لأمر الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام، وعن تقدير للموقف العام الذى بدا أن الأنصار أدركوه بحسهم فتركوا الصف الأول وربط العقد للمهاجرين، لا لأنهم فقط من أهل مكة وأدرى بشعابها، وإنما تقديرًا أيضًا لحساسية القرابات والمصاهرات، ومن ثم وجوب ترك التعامل فيها لأصحابها.

وحتى المعركة التى فرضها- بجنوب مكة- التصرف الأحمق الذى اندفع إليه عكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو- ومن سايرهم من القرشيين، تجد أن التصدى لهم كان بقيادة المهاجر خالد بن الوليد، وأن أحدًا من الأنصار لم يشارك فى هذه الموقعة الاضطرارية التى سرعان ما أخمدت بأمر الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام، وانصراف من افتعلوها إلى دورهم تحصنًا بالأمان المعطى لكل من لزم بيته وأغلق عليه بابه.

لم يصدر من أحد من الأنصار ما يفسد ما أراده النبى ﷺ لهذا اليوم أن يكون « يوم المرحمة » ؛ شعارًا والتزامًا وعملاً، فمع إزالة الصور من جدران الكعبة، وهدم ما بها من أصنام، ورفع الأذان الصلاة بالبيت الحرام، تجد الرسول ﷺ قد قال لقومه الذين آذوه وأخرجوه «إذهبوا فأنتم الطلقاء»، ويحفظ للبطون القرشية ما كان لها من أدوار فى خدمة وسدانة الكعبة، ويأبى على عمه العباس سعيه لطلب « مفتاح الكعبة » إلى جوار ما له من « السقاية » , ويؤثر عليه الصلاة والسلام وقد نزلت عليه الآية 58 من سورة النساء، إلاَّ أن يحكم بالعدل كما تقول الآية وإلاَّ أن يؤدى الأمانة إلى أهلها الذين كانوا حاملين لها، وينادى على عثمان بن طلحة ويعيد مناولته «مفتاح الكعبة » وهو يقول: «إنه أمانه الله». ثم يقول لعثمان بن طلحة وآله: «خذوها يا بنى طلحة بأمانة الله خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلاَّ ظالم» .

ويقول الرواة إن النبى ﷺ، حين فرغ من صلاته بداخل الكعبة، وتطهيرها من الأوثان والأدران، وقف بين الناس فقال:

«لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألاَ كل مأثُرة أو دم أو مال يُدعى فهو موضوع تحت قدميه هاتين إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاج ألاَ وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا، فيه الدية مغلظة مائة من الإبل، أربعون منها فى بطونها أولادها.. يا معشر قريش، وإن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظُّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب ..»

ثم تلا عليه الصلاة والسلام : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات 13).

( يتبع ) 

شارك الخبر مع أصدقائك