رجائى عطية

الأنصار العطاء والإيثار (9)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :

كانت عدة الأنصار فى بدر أكثر من عدة المهاجرين، فقد كان المهاجرون ثلاثة وثمانين، بينما كان عدد الأنصار مائتين واثنى عشر ما بين الأوس والخزرج، ثم كانوا جميعًا أبطالاً فى بدر، لم يشق لأحدهم غبار، عطاء وقتالاً وبطولة وفداء ..

يقول الرواة إن قريشًا كانت قد سبقت إلى باحة بدر، فاختارت المكان الذى راق لها، والذى قدرت أنه سيوفر لها الماء ويحجبه عن المسلمين، ويقول الرواة إن المسلمين نزلوا أول ما نزلوا بجنوب بدر، وإن كفار قريش جعلوا يمنعونهم من الماء مستغلين أنهم أقرب إليه من المسلمين، وبدا لبعض المنافقين ضعاف القلوب، أن قريشًا قد غلبتهم على الماء، فكيف يحدث ذلك وهم أولياء الله، الذين يصلون ويخبتون .. ولكن الله تعالى آراهم آياته، فبعد ليلة مطيرة انفتحت فيها ينابيع السماء مطرًا غزيرًا وَطَّأَ أرض المسلمين، وأَحَالَ الأرض التى نزلت بها قريش إلى أرض موحلة سبخة !!

وإن المسملين لفى إنشغالهم بأمر الماء، وسيطرة القرشيين عليه، ينبرى الأنصارى الحباب بن المنذر : فيتفقد المكان برمته، وينظر إليه من شتى زواياه، فلما اتضحت له عناصر الإختيار، والمكان الأوفق لنزول المسلمين، ذهب إلى النبى ﷺ ليسأله فى أدب وعلى استحياء : «يا رسول الله، أرأيت هذا منزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة، فلما أجابه النبى ﷺ بأنه الرأى والحرب والمكيدة » ، قال الحباب : « يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نَغّور (نردم ونطمس ) ما وراء القُلُب (جمع قليب وهو البئر ) ، ثم نبنى عليه حوضًا فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون .

استحسن النبى عليه السلام مشورته، فدعا له بالخير، ونادى فى الناس ليتحركوا إلى حيث أشار الأنصارى الحباب بن المنذر، فنهضوا لتوهم، وانطلقوا إلى حيث أشار، وطفقوا يردمون الآبار بالأحجار، ويبنون لأنفسهم حوضًا على البئر الأوفى ماءً، فملأوه بالماء الذى جعلوا يجمعونه من هناك وهناك، ويقذفون فيه بالآنية ليكون الشرب منه أيسر منالاً ..

وما كادت مشورة الأنصارى الحباب بن المنذر، تحقق للمسلمين هذه المزية، حتى انطلق الأنصارى سعد بن معاذ، يحركه خوفه على الرسول ﷺ، وحرصه على أن يؤمن مكانه خلال القتال المرتقب، فيبادر إلى النبى عليه السلام يستأذنه فى أن يبنوا له عريشًا يحفظه ويقيه، فإن ظهروا على عدوهم فبها، وإن كانت الأخرى حرسوا النبى ﷺ على الركائب ليلحق بالمسلمين فى المدينة، مبديًا له أنهم تركوا وراءهم فيها من لا يقلون عنهم صدقًا وإخلاصًا، وأنهم لو علموا بأنه عليه السلام سوف يلاقى حربًا، ولما تخلفوا عن الخروج معه، يناصحونه ويجاهدون معه .. وبينما كان النبى ﷺ يثنى على مشورة سعد بن معاذ، ويدعو له، لم يضيع الأنصارى وقتًا، ومضى مع رفاقه من الصحابة يقطعون غصون «الأراك » ويؤلفون بينها حتى صارت عريشًا يأوى إليه الرسول عليه السلام ويحفظه ويحميه .

ومن الأريحية والخلق النبوى، أنه مع بدايات التحرشات السابقة على القتال، شاء القرشيون أن يصلوا إلى الماء الذى صار المسلمون أقرب إليه منهم، فحال المسلمون بينهم وبين الوصول إلى الماء، فنهاهم الرحمة المهداة عليه السلام عن منعهم عن الماء، فاحتجوا قائلين بأنهم منعوهم من الماء بأمس، ولكن النبى يأبى إلاَّ أن ينادى فى المسلمين : «دعوهم يردوا الماء ليشربوا ». ثم يوصى عليه السلام أصحابه بألاَّ يقاتلوا حتى يأذن لهم، ويقفِّى فيرسل عمر بن الخطاب برسالة موادعة إلى القرشيين، فيسأله حكيم بن حزم، وكان بين المشركين، بماذا بعثه محمد، ولماذا أرسله، وماذا يريد؟ فأجاب عمر بأنه ﷺ يقول لكم ارجعوا . فإنه إن يلى هذا الأمر غيركم أحب إليه من أن يلوه منه، وأنه أحب إليه أن يليه من غيرهم من أن يليه منهم . هنالك أشار حكيم بن حزام، وكان عاقلاً، على رفاقه من قريش بأن محمدًا عرض عليهم نصحًا، فليقبلوه . ولكن أبا جهل يرفض فى غلظة وجفاء، ويقسم بآلهته أنهم لن يرجعوا حتى يتمكنوا من محمد ومن معه، فلا يجد حكيم بن حزام بدًّا أمامه عن أن يقول لقريش محذرًا : «والله ما تُنْصرون عليه بعدما عرض من النّصف !»

ومع أن القرشيين بعثوا برفيقهم عُمَيْر بن وهب الجمحى ليتنطس لهم أخبار محمد وصحبه، وعاد من جولته من حول عسكر المسلمين ليحذرهم من أنهم مع قلة عددهم بالقياس إلى قريش، فإنهم كالبلايا تحمل المنايا، وأنهم ليس لهم منعة إلاّ سيوفهم، ولن يُقْتل رجلٌ منهم حتى يصيب رجالاً من القرشيين، وبمثل ذلك عاد إليهم صاحبهم أبو سلمة الجُشَمى، وليؤكد لهم ما نقله إليهم عُمَيْر، مما لمسه فى مظهر المسلمين من تصميم واستماتة، إلاّ أن منطق أبى جهل السقيم غلب على منطق العقلاء أمثال حكيم بن حزام وأبى الوليد عتبة بن ربيعة، وطفق أبوجهل يشعل القرشيين ليحاربوا الرسول عليه السلام والمسلمين، ويعاير عتبة بن ربيعة على ميله إلى المسالمة، حتى دفع الرجل ليخرج من عسكر قريش ومعه شقيقه شيبة وابنه الوليد بن عتبة يطلبون المبارزة .

هنالك يسارع الأنصار إلى الفداء، فيخرج إليهم ثلاثة من الأنصار : عوف ومعاذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة، ولكن عتبة بن ربيعة يسألهم : من أنتم ؟ فلما علم أنهم من الأنصار، أجابهم بأنهم أكفاء كرام، ولكن لا حاجة بهم إلى قتالهم، وأنهم يريدون أن يخرج إليهم أكفاء من قومهم، وجعل عتبة ينادى على النبى ﷺ أن يخرج إليهم أكفاءهم من قومهم، فنادى عليه السلام على الأنصار ليعودوا إلى الصفوف، ونهض للمنادين ثلاثة من المهاجرين من قريش : عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلى بن أبى طالب، فيأذن لهم النبى عليه السلام بالخروج إليهم .

(يتبع )

شارك الخبر مع أصدقائك