توفيق اكليمندوس

الأكاديمى الناجح

شارك الخبر مع أصدقائك

لا يوجد فى مجال العلوم الاجتماعية والإنسانيات من يستطيع أن يزعم أنه قرأ كل أمهات الكتب ولا حتى كل الكتب المتعلقة بتخصصه – إلا إذا كان هذا التخصص مجالا ضيقا جدا لم يدرسه إلا عدد محدود من الزملاء.

حكمى هذا مطلق ولكم الحيثيات وبعض التفاصيل. تتلمذت على يد أكبر أستاذ علوم سياسية فى أوروبا، العلّامة جان لوكا، واستمرت الصلة إلى يومنا هذا، وأزعم أننى ملم بأسلوب عمله وبإمكانياته، وهى استثنائية بكل مقاييس، يجمع بين القدرة على التلخيص غير المخل وبين الإلمام بتفاصيل مذهلة. وذاكرته قوية.

توفرت لديه مبكرا عناصر الاستقرار الوظيفى ووسائل العمل. حصل على الدكتوراه ثم على إجازة تدريس القانون العام فى الجامعات الفرنسية فى سن مبكرة جدا، تعتبر رقما قياسيا، وضمن له هذا النجاح راتباً مدى الحياة، وطبعا لا يمكن المقارنة بين مكتبات فرنسا – ولا سيما مكتبة معهد العلوم السياسية الفرنسية بباريس- وأى مكتبة مصرية بما فيها مكتبة الجامعة الأمريكية.

وعمل مبكرا مع فطاحل وأصبحوا بسرعة أصدقاء العمر – يربط بينهم جمعهم بين القانون العام والعلوم الاجتماعية والفلسفة. والنقاش بينهم ظل مستمرا منذ مطلع الستينيات إلى بداية التسعينيات – عندما توفى أحدهم إلى رحمة الله. ورغم التشابه الذى يصل إلى التطابق فى المشوار المهنى فإن اهتماماتهم ومشاربهم وانتماءاتهم كانت شديدة التباين.

جان لوكا كاثوليكى ولد ونشأ فى الجزائر، وأيد الجزائريين فى حرب الاستقلال. والده موظف صغير، واهتماماته الرئيسية المسيحية والإسلام، العالم العربى، السياسات العامة، الفكر السياسى الليبرالي، مفهوم المواطنة وشروطه، مدارس العلوم الاجتماعية المختلفة، وفى السنوات الأخيرة أعطى وقتا طويلا لدراسة مشروع الاتحاد الأوروبى. وسنرى أن له اهتمامات أخرى عديدة.

من عرفته من زملائه وأصدقائه عملاقا يكبره سنا وهو جورج لافو، فرنسى وله فيما أظن أم أو جدة مدغشقرية، تربى تربية مسيحية ولكنه ابتعد فيما يبدو عن الدين، كان اهتمامه بالقضايا المتعلقة بالفلسفة وتاريخ الفكر أكبر من اهتمام لوكا بها، وحكم مشروع فكرى محدد وطموح مقاربته للأمور، إنقاذ اليسار من براثن الماركسية اللينينية، دون التنازل عن المثل العليا والقيم اليسارية. قد يبدو هذا المشروع هامشيا اليوم، لكنه لم يكن كذلك فى الستينيات والسبعينيات، جغرافيا، كان لافو يكره العالم العربى ومنطقة الشرق الأوسط، وكان حكمه قاسيا لخصه لى سميره لوكا كالآتى: جورج يرى أن تلك المنطقة لا تعرف مفهوم «الحل الوسط» وإن ادعت عكس ذلك، جورج لا يعبد مفهوم الحل الوسط والتوافقى، ولكنه يرى أن من لا يتعامل معه بجدية مطلقة لا يفهم فى السياسة ولا يعرف ما هى السياسة. وجدير بالذكر أن لافو كان شديد الاهتمام بأمريكا اللاتينية وبشرق آسيا وبالاتحاد السوفيتى وبالدراسات عن الأنظمة الشمولية.

العملاقان تمتعا بسمعة عالمية، كانت إحدى نتائجها حرص بيوت النشر والزملاء الكبار – فرنسيين، بريطانيين، أمريكيين ..إلخ- على إرسال نسخة من كتبهم لأحدهما أو لكليهما. وكانا يخصصان الإجازات الكبيرة لقراءتها ولإبداء ملاحظاتهما.

وجدير بالذكر أن أحد مصادر قوتهما الطلبة المسجلون لرسائل تحت إشرافهما، الكل يتسابق للحصول على موافقتهما على الإشراف، وقيد الأستاذان أنفسهما بعدم قبول أكثر من عشرين أو ثلاثين طالباً على عكس غيرهما، وكانا ينتقيان الأحسن أو المتقن لفن الحوار الراغب فى التعلم – كنت أنتمى إلى المجموعة الثانية. وكانا يبذلان مجهوداً خارقًا لفهم مفاتيح شخصية الطالب وآرائه، وكانا يتبادلان وجهات النظر فيما بينهما، إذ كانت غالبية الطلبة تحضر محاضرات وسيمينارات الاثنين. وزعم لوكا ولافوا أنهما استفادا من جميع تلاميذهما.
معرفتهما كانت موسوعية لكنها لم تكن كاملة.
يتبع

  • أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »