محمد بكري

افهم.. الصورة تطلع حلوة!

شارك الخبر مع أصدقائك

الصورة تساوى ألف كلمة! فقد تتسبب صورة واحدة فى انهاء أسطورة، أو بداية أسطورة جديدة! خصوصًا لو انطلقت من صناع الإعلام العالمى بتعليق (الفن يجمعنا)! المشكلة ليست فى الصورة بل برسالتها غير المباشرة، خاصة إذا سبقتها حالات مثل لم تصادف نفس الاستعداء! ولكن لأن الشخص «رمز» واسطورة لجيل جديد، فيما يبثه تواجده لمعانى القوة والحداثة والثراء، «تحرشت» الصورة بزخم المشاعر الوطنية، لتتحرك آليتها سريعا لتهدئة فوران قد يهدد مصالح معقدة، لا يُتحرش بها!

تحرص مصر دومًا على احترام معاهداتها، وإذا كان التطبيع من آثار معاهدة السلام، بداية من المشروعات والاتفاقيات، توصلا للتواصل العلمى والثقافى والفني، إلا أن تفعيله مرتبط بتفاعل الشعب معه، وهو موضوع يخرج عن التوجيه والأمر، وتحجبه مشاعر وذكريات وواقع موجع مستمر. ومع ذلك تبقى للمعاهدة احترامها الرسمى الواقعي، الذى قد تكون غنمت منه مصر بلا إفصاح، وفى مستويات أعلى من وعى العامة.

الأزمة الحقيقية ليست فى الرفض وآثاره ـ وهو طبيعى ما دام الالتهاب مُزمناً ـ لكن فى محاولات دعم جيل الأسطورة له!

هنا التدبر يستدعى تأملنا لمعنى وتوقيت وظروف الصورة وتعليقها، الذى قد يكون مصادفة أو مقصودا أو مستثمرًا! الخطر أن رفضنا قد يؤدى لاستقطاب مقابل، يُطلق جيلا مشوشا وأسطورة معدلة تتكلم لغة العالم الجديد، فتكون سابقة جديدة للانطلاق إلى العالمية.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1022)

ومع احترامى لمبارزات الإباء وقصائد الشجب وحفلات التأديب وعظة «طبّع تطلع صورتك وحشة»، اعتقد أن للصورة ترجمة أخرى نحتاج إلى أن نفهمها جيدًا، بما لا يخل بالرسميات أو يجرح المشاعر.

مهم نفصل بين اليهود والصهاينة والإسرائيليين، وبعيدًا عن النموذج السياسى للصهيونية والعسكرية الإسرائيلية، فهناك من أدعوهم بـ (جيل السامري) المذكور قصته فى القرآن الكريم، والذى احترف الصياغة فصهر الذهب وشكله تمثالا لعجل ألقى فيه قبضة من أثر الملاك جبريل ـ كزعمه لسيدنا موسى ـ فجعل له خوارًا!
فكان أول من (أنطق) المعدن! ليمثل أحفاده اجيالًا من العلم والمعرفة والاكتشافات، بمكونات قضية السامرى من المعرفة والمهارة وغوايته لبنى موسى عليه السلام! فاحترف أحفاد السامرى القدرة على صنع المعرفة (مهارة السامري) ـ تصنيع أو تطبيق المعدات ذات التقنية العالية (العجل ذو الخوار) ـ نشر المعرفة (غواية قوم موسى بتجسيد معدن له صوت) فكانت المحصلة المال والاعلام والكمبيوتر!

إن تجربة جيل السامرى جديرة بالتأمل والدراسة والتعلم أيضًا، وليس مجرد مهاجمة دولتهم أيديولوجيا ورفضهم سياسيا ومنافستهم عسكريا! نجح اليهود فى استيعاب معضلة محدودية كثافتهم السكانية وتشتتهم بالمعمورة، وحوٍّلوها لمنهجية تفوق صامتة ـ على مدار أجيال ـ باكتشاف وترويض المعرفة وتطبيقها ونشرها! وتعاملوا مع دولتهم كمعمل/ مصنع عملاق، يطرح تخصصات ويعمق أخرى ويخترق بثالثة!

كل ذلك ولجيل السامرى رؤية مستقبلية لقرون بمفهوم التكامل المعرفى، الذى منحهم التوغل العلمى والتسيد المالى والتوجيه الإعلامي، حيث بلورت (بروتوكولات حكماء صهيون) الوثيقة الأخطر بشريا، تطبيقا كونيا لنسج منهج جيل السامرى فى الإعلام والثقافة والفكر السياسى وصناعة المال والثورات والترفيه والتقنية.
من أميز خصائص جيل السامرى عدم علنية ارتياحه للفكر الصهيونى وآلته العسكرية! فهو الفنان، المغوي، المعالج، المؤثر، الغني، العالمي! الذين نجدهم حولنا فى مختلف المهن والصفات، سواء كزبائن أو أصدقاء أو جيران أو شركاء أو معارف أو شبكة علاقات! لنتفاعل معهم دون رفض أو بُغض!

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1023)

صورة الفن يجمعنا، جس نبض ذكى لتزامن فهمنا وردود افعالنا مع سرعة التطورات الإقليمية والدولية الجارية. فالأزمة ليست فى الصورة أو الأسطورة، ولا الحدث الذى جمعهم!

ولكن الأزمة فى تأخر معادلاتنا بفن البقاء، فوضى تقسيم الشارع بين حراك القبول والشجب، مقابل احتمال تضييع سرعة الرفض لـ «رأفت الهجان» جديدا إن وعينا الدرس وطورناه! احتمال التطور لـ «طبّع تطلع الصورة كلها حلوة» بفهم معناها وإعادة تعريف النضال وخوض جولات جديدة عالميا، فالأزمة لن تفرز على سالم جديدًا أو بديل لشعبان عبد الرحيم! فكيسنجر نبه مسبقا (أن التاريخ ذاكرة الأمم، أو معمل كبير لتجارب البشرية، يحفل بمعادلات النجاح لمن يحسن صياغتها) !

ستكون المعضلة الحقيقية لباقى عقود القرن الـ 21 وبعده، امام غير السامريين «عالميا»، تصميمهم: (أ) مواصفات جديدة لأهداف تعليم وفهم ومعرفة الإنسان العربي، ليس بتكاثر الجامعات واستيراد المعرفة وقَولبتهم فيها، ولكن بالعمل على مشروع تنموى لإقناع الأجيال القادمة بأهمية العلم والتعليم والمعرفة وتطبيقها، لإيجاد عالم موازى مستقل وحر، يسمح لهم بوجود عادل غير مسَّيس عالميا. (ب) فصل الدين والجغرافيا والتاريخ والأعراق عن مشروع «خلق المعرفة ونهضتها وحتمية وجودها» بصورة تسمح بفرص عادلة للموهبون والمحترفين والمهنيين لتغريد موازٍ خارج السرب فى سماوات جديدة. (ج) تصميم مناهج تطور اجتماعى وعلمى جديدة، تسمح باستيعاب دور السامريين فى الوعى الجمعى العالمي، لمحاولة اقتناص/ خلق مساحة، تسمح للبشر بالمرور لمناطق جديدة تعرف المنافسة ومحاولة التعايش بدل التعييش.

اقرأ أيضا  الظلم ضد المرأة فى مصر- مشاهدات

الموضوع ببساطة أشبه بفكرة محاولة اختراع إنترنت عالمى موازٍ لانترنت جيل السامري!

قد يبدو كابوسا إرادتنا العنقاء، كلما حاولت الافاقة تحترق، لتولد وتحاول من جديد! ولكن دومًا وابدًا تعريف المشكلة نصف حلها، ومشكلة «حلاوة الصورة» لم تعد سرا أو تابوها لا يُمس، المشكلة الأعوص أن نعلمها ولا نقوى على حلها لمئات الأسباب! بداية من معيشتنا داخل شرنقتهم الإعلامية والعلمية والفنية والتقنية والمالية والسياسية، وحتى تفننهم فى زيادة مدة التشرنق، حتى تموت اليرقة فى عشق الشرنقة، لتصبح كونها الأرحب!
بداية الحل، دعونا نفهم ونشارك فى صُنع الصورة بإرادتنا.. لا بالانبهار بها ورفضها فقط!

  • محامى وكاتب مصرى
    ‏bakriway@gmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »