استفتاء كاشف (2-1)

شارك الخبر مع أصدقائك

أحمد رضوان:

انتهت المرحلة الأولى من الاستفتاء على دستور جماعة الإخوان المسلمين وأعوانها بنتيجة تزرع الطمأنينة فى النفوس، فرغم التزوير والإرهاب والتضليل والتجارة بالدين والزيت والسكر وغياب الإشراف القضائى الكامل، إلى جانب مقاطعة عدد لا بأس به من أنصار التيارات الوطنية للاستفتاء، رغم كل ذلك ، رفض نحو %43 من المصريين هذا الدستور المعيب، وهى نسبة كاشفة ولها الكثير من الدلالات، سأحاول رصدها والوقوف على بعضها، ثم أوجه رسالتين ، الأولى للثوار على اختلاف انتماءاتهم، والثانية لأنصار التيارات الرجعية.

-1 تأكدت جماعة الإخوان المسلمين أن تبنى خطاب دينى متشدد يستقطب التيارات السلفية وينبذ القوى المدنية أمر بالغ الخطورة، فتيارات الإسلام السياسى مجتمعة لم تحقق الفوز الكاسح الذى خططت له – توقعاتهم لنسبة الموافقة على الدستور دارت بين 65 و%70 – فى حين جاءت نسبة الموافقة حول %56 بتكلفة هى الأعلى فى تاريخ الجماعة، فالأسئلة المهمة الآن: ما المقابل الذى سيدفعه الإخوان للسلفيين نظير هذا التحالف؟ وإلى أى مدى ستصمت السلطة الحاكمة على التصريحات المتشددة التحريضية التى تحولت لعنف على الأرض؟ هل مازالت جماعة الإخوان تطرح نفسها على أنها ذلك التيار الدينى الوسطى؟ وهل هناك من يصدقها من خارج التنظيم؟

-2 اتهامات التخوين والعمالة وشعارات الاستقرار وحماية الشريعة إلى آخره، اسلحة فقدت قدرتها على القنص، فالشعب الذى وافق بنسبة تربو على الـ%70 فى استفتاء مارس 2011 على تعديلات دستورية استخدمت فيها الأسلحة نفسها بداية من (نعم لله) وحتى (الخونة الذين لا يريدون استقرار الوطن)، جزء كبير من هذا الشعب تعلم الدرس جيدا، وتعامل مع فزاعات التيارات الإسلامية على أنها خرافات صادرة عن جماعات احترفت الكذب والخديعة، وأن ممارستها لا تقل بشاعة عن تلك التى اعتاد عليها الحزب الوطنى المنحل.

-3 لا يمكن أن ننسب هذه النتيجة إلى أخطاء جماعات الإسلام السياسى فقط، فالتيارات الوطنية تمكنت فى فترة وجيزة من تنظيم نفسها – دون سمع وطاعة – ونجحت بكفاءة فى التعامل بمرونة مع كل واقع تفرضه الأرض، وأرى أن جميع المواقف والفاعليات التى تم تنظيمها قبل الاستفتاء (مسيرات الاتحادية، مليونيات التحرير، رفض الإعلانين الدستوريين الأول والثانى، الضغط على النائب العام الجديد، فضح عنف التيارات الإسلامية، منع استغلال دور العبادة فى الترويج لـ«نعم»، حجب الصحف) كل هذا الضغط ساعد بصورة كبيرة فى الحشد لرفض الدستور، بما فى ذلك مناورة المقاطعة التى سبقت قرار المشاركة.

-4 هل من المعقول أن تأتى النتيجة لصالح «نعم» ونشعر بهذه الحالة من التفاؤل والإصرار على إكمال مسيرة الثورة؟ بالطبع إنه قمة العقل، لقد ادركت الجماهير أهمية المعارك الصغيرة التى تكسب فى كل جولة منها شبرا جديدا فى طريق العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، الثوار لم يتخلوا عن رومانسيتهم بكل تأكيد، لكنهم فى الوقت نفسه اكتسبوا من الخبرات ما جعلهم أكثر ارتباطا بالواقع وحدوده، فهم باتوا على يقين أن الثورات لا تحقق أهدافها فى 18 يوما، وأن الأعداء الحقيقيين لهذه الأهداف ليسوا فقط رموز النظام السابق، لأن الانتهازية والكذب والتضليل وكره الآخر ليست صفات نظام بعينه، فبعض الذين تجدهم بجوارك اليوم من أجل مصلحة مشتركة، ستراهم يقاتلونك بشراسة لا تتخيل حدودها فى الغد إذا ما تعارضت المصالح، ولنا فى موقف جماعة الإخوان المسلمين خير مثال.

لم تشارك الجماعة فى تظاهرة 25 يناير، لكنها قررت النزول بكل قوتها فى جمعة الغضب، ولعبت دورا مؤثرا فى موقعة الجمل دافعت فيه عن الميدان بكل بسالة، ثم تراجعت شيئا فشيئا، ولولا صمود الثوار لرضيت الجماعة ببقاء مبارك إلى آخر فترة رئاسته بعد اجتماعها مع عمر سليمان، ومع بداية فترة حكم المجلس العسكرى، ظهر جانب من الوجه القبيح للجماعة تناسب مع لهثها نحو السلطة بأى ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب الثورة، تركت الثوار فريسة للداخلية فى أحداث محمد محمود، وللعسكر فى أحداث مجلس الوزراء وماسبيرو، وبمرور الوقت، تحالفت مع الفلول ووضعتهم فى مناصب وزارية واستشارية مهمة، وصولا إلى التحالف مع تيار الإسلام السياسى الأكثر تطرفا، وانتهاء بتخوين الثوار واتهامهم بالعمالة.

للحديث بقية إذا كان فى العمر بقية، فحركة حازمون على بعد أمتار من مقر الجريدة.

شارك الخبر مع أصدقائك