شريف عطية

استطلاع تقسيمات النظام الدولى «الخامس» فى القرن المنصرم

شارك الخبر مع أصدقائك

كان من الطبيعى بعد انحسار النظام الدولى للقرن 19 – «ثلاثة ضد واحد»- أن يبرز نظام جديد تقوده «الثنائية الأوروبية» (بريطانيا – فرنسا) بعد انتصارهما فى الحرب العظمى على الدولة العثمانية، وليتقاسما- بمصادقة روسيا «القيصرية» – الإرث الاستعمارى العثمانى بمقتضى اتفاقية سايكس – بيكو 1916، طوال الفترة ما بين الحربين العالميتين اللتين خرجتا من ثانيتهما منتصرتين، لكنهما تجران أذيال الخيبة والفشل عن مستعمراتهما.. لصالح «القوتين العظمتيين» الصاعدتين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى.. اللتين انخرط معسكراهما فى حرب باردة منذ 1947، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً، لنحو نصف قرن تال، انتهت بانفراد «الأحادية الأميركية» بزعامة النظام الدولى – الرابع ترتيباً خلال القرن المنصرم- قبل أن تعاود روسيا «المنفتحة» مجدداً السعى لاسترجاع هيبتها القومية (المهانة) 1990 – 2007، لإحياء الثنائية القطبية التى كانت تمثلها فى السابق (سوفيتيا) مع الولايات المتحدة، لكن فى ظروف باتت جدّ مختلفة عما كانت عليه قطبيتهما- الأممية والإمبريالية- خلال النصف الثانى من القرن العشرين، إذ لم يعد الوعى الإنسانى العالمى إلا أصلب تماسكاً عما كان عليه من قبل، كما لم يعد النظام الدولى أقرب للعودة لثنائيته، سواء بعد فشل الأحادية الأميركية أو لصعود قوى كبرى جديدة لـ(الصين – الاتحاد الأوروبي).. فضلاً عن تكتلات جيوساسية واقتصادية (مجموعة بريكس – منظمة شنغهاى.. إلخ)، إلى جانب الاقتصادات الناشئة والصاعدة (النمور الآسيوية – مجموعة العشرين..)، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان اقتسام العالم مناصفة، أوروبيًا أو بين واشنطن وموسكو- كما من بعد الحربين العالميتين السابقتين- خاصة مع عدم وجود قبسات ضوء فى نهاية أنفاق القضايا الساخنة التى تقود تدخلاتها كل من أميركا وروسيا، إذ والأمر كذلك لم يعد أمامهما سوى التعاون فى إطار الصراع، وفى مناخ أقرب إلى حالة الانفراج المحدود الذى كانا عليه قبل انتهاء الحرب الباردة، بحيث لا يتحصل أحدهما على مكاسب استراتيجية على حساب الآخر، خاصة مع استحداث تنافسات لأقطاب محلية داخل كل إقليم، تنازعهما اقتسام الكعكات على الصعيد الدولى أو إقليمياً، سواء فى منطقة آسيا- المحيط الهادى «Asian pivot» (بحر الصين الجنوبي) أو فى منطقة الشرق الأوسط (الحالة الإيرانية ومشتقاتها)- مثالاً لا حصراً- ناهيك عن أفريقيا التى سبقتهما إليها ميليشيات وجيوش مرتزقة للتصادم نيابة عن آخرين أو لحسابها الخاص، ذلك بينما يموج المسرح الدولى بالخلافات بين الأميركيين والأوروبيين بشأن الحالة الإيرانية (العقوبات- البرنامج النووى.. إلخ) من ناحية، وبين كل من الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين «أممياً» من ناحية أخرى، إلا أن ذلك لا يحول من ناحية ثالثة دون إخضاع العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا- (وحلفائهما) للاختبار فى عدد من جبهات الصراع فى سوريا (وغيرها) لـ«منع الصدام» بينهما من حين لآخر، وبحيث اعتاد كل طرف – بمرور الوقت – على تصرفات الطرف الآخر وسلوكه، الأمر الذى تزايدت معه مصداقية روسيا ونفوذها فى الشرق الأوسط، لكن دون تحدى التفوق الأميركى ونفوذه، الذى تهدف روسيا بالتدخل من جانبها إلى ملء الفراغ المتزايد لتحديات السياسة الغربية.. سواء فى التدخل فى سياسة الكثير من الحلفاء الأوروبيين، أو فى الانتخابات الأميركية أو فى تعزيز علاقتها بشكل كبير مع إيران وتركيا وإسرائيل، ومصر ودول الخليج، فضلاً عن الأزمة السورية والليبية، ذلك فى الوقت الذى تستميت أميركا فى الدفاع عن مواقعها، رغم انسحاباتها المعلنة من أوروبا والشرق الأوسط، وبالتوازى مع مضيّ الصين فى استكمال مبادرتها العالمية «الحزام والطريق».. سعياً للحاق بمن سبقوها، والتفوق عليهم، ما يتعين على الأوروبيين إزاء ما سبق التفكير جديًّا فى الاستقلال بمستقبلهم عن الولايات المتحدة، خاصة من داخل السياق الجارى حالياً لاقتسام مناطق النفوذ فى الشرق الأوسط الذى يدور من حوله استطلاع تقسيمات النظام الدولى «الخامس» خلال القرن المنصرم.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (985)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »