رجائى عطية

احترام الموت‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

ما من إنسان إلاّ ويخشي الموت، ويخاف لحظة النهاية، ويعمل لها ألف حساب.. إن شغلته الدنيا وحظوظها أو همومها عن الموت، لفته إليه رحيل الأحباب، أو ذكّرته به صفحة الوفيات، فإن هرب منها استدعاه الخطاب الديني بما يحمله من نذير إلي جوار البشارة.. فإن رزق نعمة العقل والتأمل، وجد الموت رفيقاً حاضراً يعظه بما تعجز عنه الكتب والحادثات.. شخصيا صدمني الموت برحيل الأحباب.. الأب والأم والأخ والأخت.. والعم والخال.. وأولاد العمومة والخؤولة.. فضلا عن قطار الأصدقاء الذي يتوالي بين فترة وأخري فراق واحدٍ منه، إن لم يكن بالموت، فربما بالجحود أو النكران أو الخيانة.. وهي أنواع من الفراق يغدو الموت أرفق بنا منها، لأنه علي الأقل لا يحرمنا من أنس الذكري ويحفظ لنا صفحات الذكريات معطرة بما تخللها من أريج المحبة والإخلاص والوفاء ..
 
تعلمت أنه لابد من التسليم بما ليس منه بد، وجعلت أحاول استقبال الموت بما يجب من التسليم ما دام هو نهاية كل حي، بل ومنه تولد الحياة.. ومع ذلك يبقي الخوف من المجهول ناشباً يظهر من وقت لآخر في حنايا القلب الواجف الذي لا تغرّه الدنيا مهما علا صخبها عن انتظار لحظة الرحيل.. ربما ساهمت أحوال المدافن المصرية المبعثرة في أطراف القري أو بين أحياء المدن في إضفاء المزيد من الرهبة.. تعلمت بالمجاهدة ورياضة النفس أن أزيلها بإحلال الرضا والتسليم محلها.. وهييء لي أن أبني مدفناً -وقد فعلت- يسهم برواء مبناه -علي خلاف ما اعتدناه!- في إزالة أو تخفيف هذا الحاجز النفسي الذي يفصل بيننا وبين الموت ومفارقة الحياة الدنيا إلي غير رجعة.. ظللت أتابع البناء الذي شد كثيرين من رواد المقابر في6 أكتوبر، وجعل بعض الأصدقاء الذين زاروه معي أو طالعوا صوره -يداعبونني بأنه: »يردّ الروح«!
 
حضرت لحظة احتضار أبي رحمه الله رحمة واسعة، وكان أول مشهد أراه للاحتضار، فلفتني في جزعي الشديد أنه تلقي الموت في رضاً وتسليم، منتبها إلي أنه يموت، يوصي أمّي في الخفقة السابقة علي صعود روحه إلي بارئها بعمتي التي كانت تعيش معنا منذ تنكر الزوج الذي أعطته عمرها ومالها، فأبي والدي رحمه الله أن تعود إلي بيت أبيها، فبقيت معنا أمّاً ثانية تعيش وأمي – رحمهما الله – متآخيتين متحابتين.. طالما عدت لأتأمل طويلاً في لحظة هذا الاحتضار والسكينة التي رأيتها علي وجه أبي، وملامح ابتسامة رضاً وتسليم لم تفارق محياه.. أخذه الموت بالأزمة القلبية في لحظة لم تسمح بما جري عليه الناس من محاولة صدّ الموت وإعاقة سبيله بكل وسيلة وحيلة!
 
       قرأت هذا الأسبوع للدكتور محمد المخزنجي مقالاً في الشروق بعنوان »الحكمة قبل التحكيم في طب المنصورة«. أريد أن أدخل معك مباشرة إلي الموضوع الذي فتحه الطبيب الأديب المفكر في ثقة وعلم وإيمان، أن ما يشغله هو تأليف مرجع يكاد يكون فريضة غائبة في دراسة وممارسة الطب في مصر، ويتعلق بموضوع العناية الجسدية والنفسية والروحية بالمرضي في المراحل المتأخرة التي تتضمن الاحتضار والموت ، بالإضافة إلي دعم المحيطين بهم في مواجهة المشاق النفسية والبدنية في هذه الرحلة الأليمة..
 
رأيت شيئا كثيراً من هذا فيما سبق رحيل شقيقتي – يرحمها الله – التي فارقت دنيانا في أكتوبر الماضي بعد رحلة قاربت عامين.. عانت فيها وعانينا كلنا معها – تغول السرطان وخبث حركته المدمرة المتنقلة بين أعضاء وأحشاء البدن، وتعلقنا ونحن نخفي عنها حقيقة ما بها – تعلقنا بالأمل وبلطف ورحمة الله، كانت شهورا عصيبة عانتها جاهدنا معها فيها وقاومنا استشراء المرض الخبيث بكل السبل.. لم يكن ذلك معاندة لإرادة الله، وإنما تخفيفاً بقدر ما يمنحه الطب من علاج.. لكن هذا العلاج الطبيعي شيء، والإجراءات الطبية التي يصفها الدكتور المخزنجي »بالمتعسفة« – شيء آخر.. إن الموت هو خادم للحياة في توالي أجيالها، ونحن أحيانا – فيما أَبْدَي في مقاله الرائع – نمعن في إذلال الحياة بوسائل متعسفة نتصور أنها تدافع عن الحياة وتوقف زحف الموت الذي حان أوانه.. يروي لنا الدكتور المخزنجي تجربة شخصية له مع أمه احترم فيها جلال الاحتضار حتي وافتها المنية مقرونة بالراحة والسكينة، ويتوقف في المقابل عاتباً علي الإجراءات المؤلمة التي تلقاها الأستاذ نجيب محفوظ تحت عنوان مقاومة الجوع ومضاعفاته بعد أن عاف الرجل الطعام والشراب، ودخل مرحلةً نورانية يضيق فيها بما يفرض عليه.
 
من أوجاع جلسات التدليك العنيف وهو يصيح بممرضيه: »أرجوكم سيبوني بقي.. انتو بتعملوا في كده ليه؟!« .
 
       لا يعترض الدكتور المخزنجي علي العناية بل والعناية الفائقة بالمريض، وإنما أراد أن يقول إن الوسائل الميكانيكية تكاد تكون بلا معني ولا فائدة لروحٍ نورانية أعلنت أنها أكملت حياة الحب التي عاشتها بـ»حب الموت« الذي أشرفت عليه بلا رفض أو معاندة!.. تطبيب الاحتضار واحترام الموت، ليس أقل أهمية من تطبيب الحياة.. وهذا يستحضر وجوب الإلتفات إلي معرفة كيف يموت الناس في كل حالة مرضية بعينها، ووضع بروتوكول طبي وخبرة في متناول المتخصصين والمحيطين – تقي المحتضر من عذاب لا مبرر ولا معني له، ويمنحه مساحة سلام تتيح له الإحساس بمحبة من يحبهم ويحبونه، وتؤهله لوداع الدنيا في ارتياح ورضاً وتسليم.. هكذا أحب أنا أن أفارق حين تحين ساعتي، لا أرهق الجسد، ولا أرهق من حولي بمعاندة سنن الحياة، فجلال الموت يقتضي أن نقدم بين يديه الاحترام، وأن نتقبله راضين بأكثر مما أقبلنا علي الحياة الدنيا.. قد شاءت حكمة الله تعالي أن يجعل الموت ابتلاءً واختباراً كما جعل الحياة امتحانا، بل ذكر الموت قبل أن يذكر الحياة، فيقول الوارث الباقي في قرآنه المبين : »تَبَارَكَ الَّذِي بِيدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَي كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيبْلُوَكُمْ أَيكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ« ( الملك 1،2 )
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »