رجائى عطية

اتجاه الشعرالعربى الحديث

شارك الخبر مع أصدقائك

انتقل الشعر العربى فيما يقول الأستاذ العقاد بمقاله المعاد نشره فى مجموعة « دراسات فى المذاهب الأدبية والاجتماعية »انتقل من عهد الجمود إلى عهد النهضة فى أربع مراحل:

«أولها» دور التقليد الضعيف.
و«ثانيها» دور التقليد المحكم.
و«ثالثها» دور الابتكار الناشئ من الشعور بالحرية القومية.
و«رابعها» دور الابتكار الناشئ من الشعور بالحرية الشخصية أو من الشعور باستقلال الفرد فى شعوره.

محمود سامى البارودى

ويقدر الأستاذ العقاد أن دور محمود سامى البارودى فى الانتقال إلى عهد النهضة حقيقٌ بأن يبدأ منه، فيورد أنه من أكبر الشعراء الذين ظهروا فى طليعة الابتكار فى أواخر القرن التاسع عشر حتى توفى فى أوائل القرن العشرين.
وكانفيما يرىصاحب سليقة حية حتى فى تقليده، بيد أنه لم يكن مقلدًا.

كان البارودى سلفيًّا مطبوعًا، وكانت سنته سنة الشعراء العرب فى الأسلوب والموضوع، وربما أفرط فى التزام الموضوعات السلفية حتى نهج على نهجها فى وصف الطلول والرعيان والبادية، ولم يكن للثقافة الحديثة أثر لديه إلاَّ فى النادر.

وقد لحقت بالبارودى طائفة من الشعراء كان للثقافة الأوروبية أثرٌ ظاهر فى وجهتها وفى موضوعاتها، ويعنى بهم الأستاذ العقاد أمثال إسماعيل صبرى وأحمد شوقى وحافظ إبراهيم، وفى لبنان نجيب الحداد وخليل مطران وبشارة الخورى، وفى العراق أمثال الزهاوى والرصافى والشيبى.

ويعنى الأستاذ العقاد بالدور فى الابتكار الناشئ عن الشعور بالحرية القومية وأن نهضة هؤلاء الشعراء هى نهضة المجتمع كله فى ميدان الحرية السياسية واليقظة القومية، وشاع ذلك فى أشعارهم.
والفرق واضحفيما يؤكدبين فهم التجديد على هذا المعنى، وفهم التجديد من الوجهة الفنية.
التجديد فى الشعر
ينبه الأستاذ العقاد إلى أن التجديد فى الشعر لا يقصد به أغراضه، وإنما شعور الشاعر، ولذلك فإن الشارع الذى ينظم فى الوصف أو فى الغزل ويعبر فى نظمه عن شعوره الصحيحهو شاعر مجدد غير مقلد، وإن كان الوصف والغزل من أقدم موضوعات الشعر. وعلى العكس، فإن من ينظم فى مسألة عامةولا يستقل بالتعبير الصادق عنها فى نظمههو شاعر مقلد، وإن جاء موضوعه فى العصر الحديث.

ومع أن العمل الإجتماعى والعمل الفنى كلاهما واجب، إلاَّ أنه لا يفهم من ذلك أنهما عمل واحد، ولا يعفى الابتكار فى أحدهما، من الابتكار فى الآخر.
على أن هذه المدرسة أطلقت الشعر من كثير من القيود، وجددت شباب اللغة، ووسعت نطاق الموضوعات.

وقد جاءت بعدها ما يُسمى بمدرسة الابتكار المستقل أو مدرسة الحرية الفردية، والتى فيها ينطلق شعور الفرد حيث ينطلق شعور الإنسان، ويتجلى الفرق بين المدرستين فى ملامح كل قصيدة.
بنية القصيد
أصبح للقصيدةفيما ينوه الأستاذ العقادإسم تُعرف به وبنية خاصة بها كالبنية الحية لا تسمح بتقديم بيت على بيت.
وقد كانت القصيدة قبل ذلك مجموعة من الأبيات لا تتسمى باسم ولا تتميز بعنوان.

وهذا هو ما عناه الأستاذ العقاد بمدرسة « الفرد المستقل » فى الشعر، لأن الشاعر من هذه المدرسة يعبر عما يحسه هو فى كل حالة يتناولها بعاطفته وخياله، ولا يصدر عن المعانى العامة المشتركة التى لا تمييز فيها بين شخصية وشخصية، ولا بين مقام ومقام.
ومن الجائز أن تسمى هذه المدرسة بالمدرسة الإنسانية، لأن المعول فيها على سليقة الإنسان.

وليس معنى هذا الشعارفيما يقول الأستاذ العقادإلغاء الفوارق الوطنية والاقليمية، أو استنكار النظم فى موضوع من الموضوعات التى يطوقها الشعراء فى كل لغة، وإنما معناه «أن صدق التعبير عن الشعور الإنسانى هو التجديد الحق الذى يعصم صاحبه من التقليد والمحاكاة». لأنه يقول ما يحسه، ومن قال ما يحسه ليس مقلدّا أيًا كان الموضوع الذى ينظم فيه.

فالشاعر الإنجليزى الذى يصف الهرم، أو يصف النيل، أو يتكلم عن رمسيس، لا يصبح مصرى الشعر ولا مصرى الشعور لأن موضوعاته مصرية، والشاعر العربى الذى يصف شلال نياجرا أو غاب بولون لا يزال عربيًا فى سليقته وتفكيره وإن ذهب بخياله إلى أمريكا أو فرنسا. فلا فكاك له من طبعه الأصيل.
وقد كان لهذه المدرسة أثر فى قوالب الشعر كما كان لها أثر فى معانيه. فأطلقت من قيود القافية بعض الإطلاق، وتصرفت فى الأوزان والبحور مع ملاحظة العروض كما يلاحظه الأقدمون.

مضت مدرسة التجديد على هذا النحو قدمًا منذ نشأتها قبل أكثر من ثلاثين سنة، ولكنها على ذلك تمثل الشعر الحديث فى ناحية منه ولا تمثله فى جميع نواحيه، لأن من الشعراء فى هذا العصر من ينزع إلى المذهب السلفى مع التصرف والابتكار، ومنهم من ينظم للغناء ومصاحبة التمثيل فى الصور المتحركة والروايات المسرحية، وتدعوه مجاراة الجمهور المسرحى إلى نمط من الشعر لا يكاد يختلف فى مادته عن مادة الموال أو الزجل الذى يشيع بين الجماهير.

وجملة القول فيما يخلص إليه الأستاذ العقاد أن للشعر العربى اتجاهين فى العصر الحديث: أحدهما اتجاه «الشعر المستقل» والغالب عليه إيثار المذهب المطلق، أو مذهب الابتكار المستمد من الشعور بحرية للفرد واستقلاله.

والإتجاه الثانى وهو اتجاه الشعر المضاف إلى فن الغناء أو مناظر الصور المتحركة، وهو متقيد بما يخدمه من هذه الأغراض، يعلو معها حين ترتفع ويسف معها حين تجنح إلى الإسفاف.
والغلبة فى المطالب « المحلية » الموقوفة لهذه الوجهة.
والغلبة فى مطالب الفن الخالص للوجهة الأولى مع الأيام…

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »