إنسانيات الكلاسيكيات الأدبية

شارك الخبر مع أصدقائك

ليلى حافظ :

من المهم العودة لقراءة الكلاسيكيات الأدبية خاصة فى زماننا اليوم عندما تختلط المبادئ، وتغيم الرؤى، ويصبح من الصعب تحديد الصواب من الخطأ والخير من الشر . فان كلاسيكيات الأعمال الأدبية تغوص فى اغوار النفس البشرية وتكشف أسرار الطبيعة الانسانية، وتقدم تحليلا عميقا يشرح لنا ما يخفى عنا اليوم، ولأن الانسان هو الانسان فى كل زمان وفى أى مكان، فما كتب قبل مئات الأعوام يمكن أن يعلمنا الكثير والكثير اليوم .

فماذا يعلمنا فيكتور هوجو فى روايته الرائعة «البؤساء » التى كتبها فى منتصف القرن التاسع عشر؟

عن النفس النقية والتى جسدها هوجو فى مطران مسيحى فى بلدة تدعى ديين، فيصفه بأنه «يعيش بلا ازدراء » ، وإن كان بالنسبة لهوجو «كل انسان، حتى الافضل، يحمل داخله قسوة ما لا يلتفت اليها، الى أن تخرج حين يطالب بها الحيوان الذى بداخلنا ».. تلك القسوة لا توجد فى داخل المطران .. بالنسبة له «قبح الاسلوب، وتشوه الغريزة لا يسببان له أى اضطراب، ولا يثيران فيه أى ازدراء » ، ولكنه يشعر نحوهما بالتعاطف .. وبتأمل يتجاوز الحياة المعلومة، ليبحث فيما خفى عنا، عن الاسباب أو التفسير أو العذر .. فهو يبحث من دون غضب، عن كم الفوضى التى لاتزال موجودة داخل الطبيعة » ، (طبيعة الانسان أيضا ).

وعن المجتمع الذى يمكن أن يكون السبب فى ضياع الانسان يقول هوجو : «فى حضارتنا تكمن لحظات مخيفة : إنها اللحظات حينما يعلن العقاب عن الغرق » ، فإن عقاب انسان عن جريمة صغيرة قد يكون بداية لغرق هذا الانسان الى الأبد .

وعن النفس المضطربة، التى عاشت لا تعرف إلا القسوة من الآخرين، وعندما وجدت العطف لدى البعض، أصيبت بالاضطراب النفسى، يقول هوجو : كيف ان الرجل «تصلب وتوتر ازاء التصرف الملائكى وضد الكلمات الحانية للرجل المسن .. وواجه التسامح السماوى، بالكبرياء الذى يكمن داخلنا مثل قلعة الشر ».. «وشعر كما لو كان الغفران الذى قدمه هذا القس، أكبر هجوم وأضخم انقضاض عليه، مما تركه فى حالة من الاضطراب، لأنه شعر أن قسوته يمكن أن تبقى ما لا نهاية لو انه قاوم هذا التسامح، ولكن ان استسلم فعليه ان يتخلى عن هذه الكراهية التى تراكمت فى داخله نتيجة لأفعال قام بها الآخرون ضده على مدى سنوات، والتى طابت له، أما هذه المرة فعليه إما أن ينتصر وإما ينهزم، لقد بدأ داخله صراع، وهو صراع ضخم وحاسم، بدأ بين الشر الكامن فيه والخير الذى أظهره هذا الرجل » ، وسمع الرجل «صوت يقول له فى أذنه، إنه على وشك ان يعبر تلك اللحظة المهيبة لمصيره، فلم يعد امامه طريق وسط، إما أن يصبح الأفضل بين البشر، وإما الأسوأ، إما أن يعلو عن القس وإما يهبط الى ما دون السجين، وأن أراد ان يصبح انسان خير، فعليه أن يصبح ملاكا، وان أراد أن يبقى شريرا، فعليه أن يتحول لوحش كاسر ».

لم يعد أمام الرجل طريق وسط . فى الرواية اختار أن يكون ملاكا . ولكن كم من البشر يستطيع أن يتحمل أن يكون ملاكا؟ فقط القلة . لذلك فان البشرية تعتمد على تلك القلة فى دعم انسانيتها .

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »