شريف عطية

إلى شهدائنا.. تحيةً وسلاماً..

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:
 
صعب على المصرى، الإنسان صاحب الإحساس، أن ينتشل أو يحفظ نفسه من جالبات الأحزان المتوالية يومًا بعد يوم فى بلادنا.. وصعب بل هو محال عليه أن تشغله الأخطار المحدقة، والآمال المتطلعة، عن الوفاء للذكرى والتحية، لشهدائنا الأبرار الذين يتساقطون بفعل الشر والأشرار، منهم من سبق فنال الشهادة، ومنهم من ينتظر، تكاد تصدق على هؤلاء وأولاء آية القرآن المجيد: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً» (الأحزاب 23).

لا يعرف أحد منا ما نصيبه من هذه الشهادة غدًا، فلم تعد الشهادة قاصرة على من يخوض غمارًا، أو يقاتل أو يدافع لردّ أذى، أو يرابط على حراسة ثغر أو مرفق، أو ينتظم فى صفوف مكلفة بواجب حماية مصر والمصريين، أو يتعقب شرًّا ليكفى الناس أذاه، أو يفى بما تتطلبه واجبات عمله أن يكون فى مواطن الخطر..

ينشر الإرهاب الأسود شبح القتل والذبح والنحر والسحل والإهلاك، فى كل ربع من ربوع مصر، وفى كل مكان، قد يلتزم بهدفٍ (ضرير) حينًا، ولكنه يضرب ضربات عشوائية بلا هدف فى كثير من الأحيان، لا يعنيه مَنْ القتيل، ولا بأى ذنب قُتِل!

عشوائيات الإرهاب أيًّا كانت كياناته ومسمَّياته، قد أجمعت على استباحة الأرواح والدماء.. قوامها الغدر والخسَّة والنذالة، تحصد الأرواح حصدًا فى كل اتجاه، فلم تعد الشهادة مقصورة على جند مصر، وإنما طالت الأطفال والنساء والشيوخ، قد تنفجر فيهم قنبلة أو لغم، أو تصيبهم طلقات طائشة، أو تأتى عليهم حرائق، أو يستشهد أحدهم فى ميتة عبثية لا يبالى بأسبابها أشاوسُ الإرهاب وزرَّاع الموت والهلاك!

حتى سلام الدفن الذى يُبرّد بعض نار الثكالى والأيتام، قد حُرِمَ منه كثيرٌ من الشهداء الذين تطايرت وتناثرت أجسادهم أشلاءً فى التفجيرات الضريرة، أو فى التعامل مع قنبلة مزروعة لتأمين الناس منها، حتى صار لزاما علينا أن نستعير فكرة قبر «الجندى المجهول»، لنقيم نُصُبًا «للشهيد المجهول».. ليجد فيه أهالى الشهداء، من العسكريين والمدنيين، من الفتية والشيوخ والنساء والأطفال، يجدوا عزاءً فى زيارتها بعد أن عَزَّ عليهم جمع ودفن أشلاء شهدائهم!

تعددت وتتعدد وتختلف وتتباين صور وأشكال شهداء الإرهاب، ولكن يجمع بينهم جميعا، على اختلافهم واختلاف الظرف الذى قتل فيه كل منهم، أنهم قد قتلوا ظلمًا وعدوانا.. وأنهم يصدق عليهم ما قاله القرآن المجيد: «وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا» (الإسراء 33).. ويجمع بينهم أنهم جميعا عند الله شهداء، مِنَ الذين يصدق عليهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون.

من هؤلاء الشهداء من توقع الشهادة وتوقعها ذووه، وربما طلبها قيامًا بواجبه حتى ليصدق عليه الحديث الشريف: «من سأل الله الشهادة بصدق أنزله الله منازل الشهداء وإنْ مات على فراشه».. ولكن من هؤلاء الشهداء من قُتِلَ غيلةً وغدرًا، فى داره أو مكان عمله أو فى طريقه ومسعاه إليه، فتأتى مفاجأة ذويه فى فقده مفاجأة مزودجة، على غير حسبان ولا توقع، فلم يعد للموت ميادين، بل صار فى أعراف الإرهاب ساعيًا إلى عباد الله فى كل مكان، يعمل فيهم القتل، بلا سبب وبلا غاية وبلا هدف، إلاَّ بث الرعب والترويع، وأيضا لغير ما هدف أو غاية يعرفها العقلاء، فما لمثل هذه الأعمال الطائشة الضريرة أن تولىٌ حُكْمًا أو تقيم نظامًا.

لقد تعددت التنويهات بمنازل الشهداء، وهى تسرية لذويهم، ولكنى توقفت عند مسمى «الشهيد» و«الشهادة» فى اللغة والشرع.. فهو لفظ منحوت من شهد يشهد شهادة، والشهيد بكسر الشين هو الشاهد الأمين فى شهادته، وهو أيضا القتيل فى سبيل الله لأن ملائكة الرحمة تشهده، والجمع شهداء.

فالشهادة اصطلاحًا ذات وظائف مختلفة، ومعان متعددة نابعة عنها، فهى تعنى «التوحيد» بشهادة ألاَّ الله إلاَّ الله، والعلم بالغيب والشهادة صفة من صفات الله تعالى وحده، فهو «عالم الغيب والشهادة»، وكلنا مردود إليه بقوله عز وجل: «ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (التوبة 94).

ومن نعم الله تعالى وأفضاله على ملائكته وعلى أولى العلم من عباده، أن كرَّمهم بالشهادة، وذَكَرهم مقرونين بها، فقال عز وجل: «شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (آل عمران 18).

وأداء الشهادة لله وللحق، واجب قرآنى، حث عليه القرآن والسنة، وقيل فيه: «وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ» (الطلاق 2)، وقيل: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ» (البقرة 140)، وقيل: «يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ…» إلى آخر الآية الكريمة (المائدة 106)، وقال عزّ وجل: «ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا».. إلى آخر الآية (المائدة 108)، وقال سبحانه: «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ» (الطلاق 2)، وفى حديث رسول القرآن عليه الصلاة والسلام: «إنما يُراد من الشهادة معرفة الحق»، ولذلك تُردّ شهادة الخائن وذى الغمر أى الشحناء.

فكل هذه المعانى حاضرة فى مسمى «الشهيد» و«الشهادة»، من واقع أن «الشهادة» أعلى درجات الصدق.. مع الله، ومع النفس، ومع الغير، لأن الروح تُبْذل فداءً فيها، ومن ثم كانت «الشهادة» تعبيرا عن مدى الإجلال والإكرام للشهيد الموعود بمنزلة تضاهى فى الجنة منازل الأنبياء والصديقين والأبرار.

وإذا كان منا من ينال الشهادة فجأة، غدرًا وغيلةً على غير توقع، وهو عند الله شهيد، فإننى كثيرًا ما تساءلت ماذا عساه يقول لنفسه كل جندى وضابط، من الشرطة أو من الجيش، وهو يغادر كل يوم بيته وأسرته مودعًا.. هل وداعه ككل الناس، مثلى ومثلك، ذهاب إلى إياب، أم أنه وداع مودع حاضر فى وداعه أنه قد يكون بلا عودة، فالموت مزروع أمامه فى كل لحظة، وهو يبذل روحه فداءً لوطنه وشعبه، يصدق عليه أنه يبذلها أريحية ونخوة، لا لمنفعة أو غنيمة..

مصر تودع كل يوم شهداء من جندها وضباطها ومدنييها، من رجالها ونسائها وأطفالها وشيوخها، إليهم وإلى ذويهم، وقد نلحق بهم غدًا، نزجى تحيةً وسلامًا.. وبشارةً إلهية عزيزة، أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحون بما آتاهم الله من فضله.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »