Loading...

إلحاح «كسينجر» للتنبؤ بحرب عالمية ربما لصالح الغايات الصهيونية

شريف عطية

7:02 ص, الخميس, 18 أغسطس 22

يطالعنا من حين لآخر السياسى العجوز «هنرى كيسنجر» مستشار الأمن القومى الأميركى الأسبق، البالغ من العمر مائة عام، بتحليلات سياسية متنوعة عن حرب عالمية ثالثة يقول إنها توشك على الاندلاع، ذلك غير ما يكتبه عن تمجيد زعماء عالميين بعينهم، كالاستعمارى العتيد «ونستون تشرشل» مثالًا، فيما لا يبالى بآخرين لهم إسهاماتهم لدعم الأمن والسلم الدوليين… كالرئيس «دوايت أيزنهاور» الذى سبق أن حذر من مخاطر جشع المجمع الصناعى العسكري، مثالًا، حتى ليكاد يبدو (كيسنجر) وكأنه الوحيد الذى يملك ناصية تقييم الماضي… والتنبؤ بالمستقبل، ليس فحسب لعلو مناكبه فى العلوم السياسية… مما يشاركه الكثيرون، أقلّ أو أفضل منه، بل أيضًا لكونه على رأس الجهاز الدبلوماسى الأميركي، لعقد من الزمان، مع رئيسين… لاحقت أولهما «ريتشارد نيكسون» فضيحة «ووترجيت» أسفرت عن استقالته، وليستكمل ولايته نائبه «جيرالد فورد»، وبقدر ضعفهما يزداد نفوذه طرديًّا… سواء فى التخطيط للسياسة الأميركية أو تطبيقاتها، وعلى النحو غير البعيد عن إتاحة توظيفها بما قد يتناسب مع خلفية عقيدته الصهيونية… الأكثر ولاءً لها عن أى شيء آخر، فيما كان الحظُّ حليفه بالنسبة لأهم ثانى اثنين من الإنجازات المحسوبة له، ليس فقط بفضل الترويج الإعلامى الصهيوني، بل أيضًا للظروف المحيطة من ناحية بالشرخ الذى أحدثه فى العلاقات الصينية- الروسية مطلع السبعينيات، أو فيما يتصل من ناحية ثالثة بسياسته عن «الخطوة خطوة» لفض اشتباكات الصراع العربي- الإسرائيلى منذ منتصف السبعينيات، إذ لولا سخرية القادة السوفيت من الصين لمطالباتهم موسكو… بالتدرج جنبًا إلى جنب للوصول معًا إلى «المرحلة الرومانسية» من الاشتراكية، لَما أمكن لـ«كيسنجر»، استدراج قادة الصين، بالاعتراف الدبلوماسى كوسيلة لفض التحالف بينهم وبين الروس، الأمر الذى أسفر عن تقدم الصين اقتصاديًّا.. لتصبح خلال سنوات المنافس الإستراتيجى للولايات المتحدة، قبل أن يعود التحالف بعدئذ بين بكين وموسكو لأقوى مما سبق وعلى النحو المشهود فى السنوات الأخيرة، أما ثانى أكبر الإنجازات المشهود بها إلى «كيسنجر»… بشأن الصراع العربى مع إسرائيل، فمن نافلة القول أنه لولا يأس الرئيس السادات من طول الكفاح، ولأسبابه، ما كان فى الإمكان تسليم «كيسنجر» مفتاح التسوية بين إسرائيل وأكبر دولة عربية، ومع ذلك ورغم مرور نصف قرن على لقاءات الرئيس المصرى والمستشار الأميركي… فإن السلام لا يزال بعيدًا بعيدًا عن أن يكون شاملًا، بين أو مع الجميع على الجانبين العربى والإسرائيلي.

إلى ذلك، ورغم أن «كيسنجر» لم يأت بما أتى به الأوائل أو اللاحقون، فإن مثابرته على متابعة تطورات العلاقات الدولية أمر جيد، تسهم آلة الإعلام الصهيونية فى تضخيم والترويج لما يدلى بشأنها من آراء دون مناقشة آخرين لها أو الرد عليها، ليس آخِرها الحوار الذى أجرته معه صحيفة «وول ستريت جورنال» أغسطس الحالي… حذَّر فيه من “اختلال التوازن الدولى بشكل خطير”، مستطردًا… “نحن على حافة الحرب مع روسيا والصين بشأن قضايا نحن مسئولون جزئيًّا عن ظهورها، من دون أن يكون لدينا أية فكرة عن كيفية إنهائها»، وليضيف… «يجب معاملة أوكرانيا فى أعقاب (الحرب) كعضو فى الناتو، سواء كان ذلك رسميًّا أم لا»، وليتطرق فيما يتعلق بمسألة تايوان… حيث يخشى من أن “الولايات المتحدة والصين تناوران نحو أزمة، وينصح واشنطن بالثبات”، حتى يبدو «كيسنجر» وكأنه بصدد التمهيد ولتشجيع الولايات المتحدة على صدام مع منافسيها الدوليين غير معروفة نهاياته، وليبقى السؤال الذى يطرح نفسه… هل ما يجرى من تصديات عنيفة وخشِنة أقرب للحرب الشاملة فى الحالتين الأوكرانية والتايوانية… هى بمثابة مقدمات لصالح الغايات العليا للمشروع الصهيوني، مثلما سبق أن أسفرت الحربان العالميتان المنصرمتان عن الوعد بوطن قومى لليهود 1917، وإلى زرع إسرائيل 1948، ذلك قبل السعى إلى بناء الدولة الصهيونية الكبرى دونها حائط مسدود… برغم كل ما تحقَّق لإسرائيل من إنجازات مؤقتة لا تعنى انتصارًا سابقًا لأوانه.. كونه يمضى فى مسار عكس حركة التاريخ، إلا عبر ما تشعله من فوضى إشعال حرب عالمية ثالثة.. يلحُّ «كيسنجر» فى التنبؤ بها- ربما- لصالح الغايات الصهيونية.

* عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومى فى السبعينيات