لايف

إزاء مخاطر التفتيت والبلقنة!

رجـــائي عطية:   منذ أربع سنوات، أرسل توني بلير رئيس الوزراء الإنجليزي، مقالاً للأهرام نشره في 30 مارس 2003.. سقط منه فيه أنهم -والشريك الأمريكي!- يسعون إلي أن يتقاسم العراق العرب والأكراد والأشوريين والسنة والشيعة والمسيحيين ومن أسماهم جماعات أخري..…

شارك الخبر مع أصدقائك

رجـــائي عطية:
 
منذ أربع سنوات، أرسل توني بلير رئيس الوزراء الإنجليزي، مقالاً للأهرام نشره في 30 مارس 2003.. سقط منه فيه أنهم -والشريك الأمريكي!- يسعون إلي أن يتقاسم العراق العرب والأكراد والأشوريين والسنة والشيعة والمسيحيين ومن أسماهم جماعات أخري.. يومها كتبت إلي ما تومئ إليه هذه السقطة من النوايا المضمرة ليس فقط لتفتيت العراق، وإنما لبلقنة المنطقة العربية برمتها وتفتيتها إقليميا وعرقيا وطائفيا ومذهبياً، وإحالتها إلي «دويلات» و«جزر» و«فتافيت» بإثارة النعرات القبلية والطائفية والعرقية والمذهبية لتتمزق الأمة إلي كيانات صغري تغرق في صراعات ومشاحنات ومواجهات ومنافسات تفتت وتشرذم هذا الكيان ليكون أسهل سيطرة وأطوع تسخيراً وإخضاعاً وإذلالاً!!

 
هذه المحاذير وآثارها المدمرة في إحداث صدع يتطاير معه أي احتمال لتضامن عربي قادر علي الوقوف أمام الموجة التي تستهدف تركيع المنطقة -كانت حاضرة في مؤتمر القمة بالرياض.. فالعراق ينهار تحت وطأة الاحتلال والحكم الطائفي والحرب الأهلية واشتعال الفتنة والمواجهات بين السنة والشيعة، ولبنان يواجه خطر التمزق والتفتت، والسودان يتعرض لمخططات الأفرقة وفصل الجنوب عن الشمال إلي جوار مخاطر العقوبات علي هامش دارفور، وحصار الفلسطينيين علي أشده بينما الفصائل الفلسطينية ما تكاد تتوافق إلا لتختلف وتتناحر حتي تزامن مع مقدمات القمة اشتباكات عناصر من حماس وفتح في بيت لاهيا (2/23).. والصومال تحول إلي أشلاء تحت وطأة الصراعات الدائرة بين أمراء الحرب ورؤساء القبائل.. ومؤامرات عزل سوريا جارية علي قدم وساق مع اعتساف تقسيم العرب إلي معتدلين وغير معتدلين!.. وهو مخطط موصول بصفحات سابقة تم فيها تفتيت كيانات في الشام وفي شبه الجزيرة العربية وأخري في المغرب العربي.. مع تغذية مستمرة لتقسيم الأمة الإسلامية بين سنة وشيعة مما دعا الرئيس المصري إلي التحذير في خطابه بمؤتمر القمة من مخاطر «الوقيعة» بين السنة والشيعة بما تمثله من ضرب استقرار العالمين العربي والإسلامي وتعريض المنطقة والأمة إلي تمزقات بالغة الخطر!
 
في «إعلان الرياض» -في ختام القمة العربية، أكد القادة الضرورة الملحة لاستعادة التضامن العربي والتحذير من توظيف التعددية المذهبية والطائفية لأغراض سياسية تستهدف تجزئة الأمة وتقسيم دولها وشعوبها وإشعال الفتن والصراعات الأهلية المدمرة فيها!!.. منهوهين إلي وجوب التركيز علي أن «العروبة» ليست مفهوماً عرقياً أو عنصرياً أو مذهبياً، بل هي هوية ثقافية تلعب اللغة العربية دور المعبر عنها والحافظ لتراثها، وإطار حضاري مشترك قائم علي القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية، يثريه التنوع والتعدد والانفتاح علي الثقافات الإنسانية.
 
منذ أربعينيات القرن الماضي، احتضنت مصر «جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية».. وضمت فيمن ضمت عدداً كبيراً من كبار أئمة وعلماء الشيعة في مقدمتهم الشيخ الإيراني محمد تقي الدين القمي، مع باقة من أئمة وعلماء السنة صار بعضهم شيوخاً للأزهر الشريف.. منهم الإمام الأكبر الشيخ شلتون والإمام الأكبر عبدالمجيد سليم، وضمت إلي جوار أئمة علماء السنة والشيعة شخصيات مرموقة من العلماء والمفكرين منهم العلامة الجليل الأستاذ الدكتور محمد عبدالله محمد صاحب الكتاب الضافي في «معالم التقريب بين المذاهب الإسلامية».. فيه جمع فلسفة هذا الفكر الذي يسعي إلي جمع شمل الأمة الإسلامية، وبين أن التقريب إجمالا هو اتجاه جاء داخل الإسلام، مجرد تماما من اللون الطائفي أو الإقليمي، للتخلص من العداوة معلنة أو خفية بين أهل المذاهب صيانة لوحدة المسلمين التي تدور علي محورين: أولهما التسليم بحقوق عامة للمسلم في كل بلاد الإسلام -وأهمها عصمة دمه وماله وعرضه وألا يظن به السوء، وثانيهما التمسك بأخوة المسلم رغم اختلاف مذاهب ومدارس الفكر، والخلاف المذهبي حين يصبح عداوة يكون قد صار أهواء ومصالح لا تواجه إلا بالاعتياد علي تذكر أنه لا خلاف علي الأساسيات، فإله الجميع واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة، وهذا هو رأسمال كل مسلم، ولابد من تذكره لكي تتجه قلوب المسلمين وعيونهم إلي المستقبل المشرق الذي ينتظرهم إذا تآخوا وتحابوا!.
 
علي أن دعوة التقريب بين المذاهب الإسلامية، لا تستوعب وحدها أبعاد الطائفيات والقوميات التي تسعي قوي ظاهرة وخفية لاستغلالها لتمزيق الأمة وبلقنة المنطقة والأمة العربية وتفتيتها.. فمع سماحة الإسلام واتساعه لأهل الذمة وللقوميات والأجناس والعرقيات المختلفة، وعدم إجباره أحدا علي اعتناق الإسلام، بقيت ولليوم طوائف -أيا كانت أعدادها: تدين بديانات غير الإسلام، وقوميات تنتمي إلي أعراق مختلفة، وامتزجت بالأمة العربية في ظل الدوحة الإسلامية التي قامت علي حقيقة أن الأسرة الإنسانية تنتمي كلها إلي أصل واحد،ونفس واحدة.. في القرآن المجيد: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء» (النساء:1).. وفي حديث رسول القرآن عليه السلام: «ألا إن ربكم واحد، لا فضل لعربي علي عجمي، ولا لعجمي علي عربي، ولا لأبيض علي أسود، ولا لأسود علي أحمر -إلا بالتقوي. إن أكرمكم عند الله أتقاكم»!
 
وحين تباعد الزمن، ودخلت المصالح والأهواء، ولعبت السياسة بالعقول وأغفلت المنهج والنصوص، تحالفت عوامل عديدة للنحر في وحدة الأمة العربية، بمفارقة معاني الإنسانية والأسماح، إلي التركيز علي الأعراق والقوميات، والعصبيات، ناسين أن الإسلام ذاته نهي عن العصبية، ونوه بالاختلاف بين الناس (هود 118)، وأكد أن الدين هداية لا إجبار ولا أمجاد!
 
من المهم إلي أننا نواجه «حالة» لا حادث.. هذه الحالة تعاني من نعرات وعرقيات وطائفيات وعصبيات مثارة بالفعل، تنحر من وحدة الأمة العربية، وهي نعرات تغذيها منظورات مذهبية وطائفية وعرقية وإقليمية وتشعلها مخططات خارجية.. مواجهة الحالة تستوجب التفاتا مستمرا وآلية مخصصة لرعاية الحالة وتقويم جنوحاتها وتكريس التقارب والتفاهم والتعايش بين أطيافها.. قد يمكن مواجهة حادث ما بإجراءات وقتية محددة، ولكن «الحالة» الضاربة بجذورها التي تستقبل كل يوم عوامل نحر وإزكاء، تستلزم أن تتكاتف الدول العربية مع جامعتها علي تشكيل آلية دائمة تعمل بالتناغم مع الأمانة العامة للجامعة وتكون معبرة عن كافة الدول العربية ويراعي تمثيلها كافة الأطياف والمذاهب والقوميات والأقليات لتتساند بوعي وفهم في تبني رقعة عريضة موصولة وحية للحوار والتفاهم والتعايش وتغليق الأبواب علي مخططات الشرذمة والبلقنة والتفتيت!.
 

شارك الخبر مع أصدقائك