شريف عطية

أي‮ ‬شرق أوسط‮ »‬جديد«؟

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية

وسط جو محموم من النشاط الدبلوماسي يعقب ما يشبه ملاحم حربية اتصلت منذ مطلع القرن، في الشرق الأوسط.. المنطقة الاستثناء عن سائر مناطق العالم الجيوسياسية في تفشي بؤر التوتر وتعددها، سواء بإجازة الحروب أو السكوت عن انتهاك حدود دولية، أو لشن عمليات استباقية في غياب دليل علي مخالفة القانون الدولي.. ومن ثم إلي زعزعة النظام داخل الاقليم وعلي مستوي العالم علي حدّ سيان، ذلك بالمقارنة بنقاط الاحتكاك المحدودة في المناطق الجيوسياسية الأخري، مثل منطقة شمال شرق آسيا »كوريا الشمالية«، إلي القوقاز »جورجيا«، إلي البلقان »كوسوڤو«، إلي شرق وسط أوروبا خلال الحرب الباردة »جدار برلين«، إلي افريقيا »الكونغو ورواندا«، إلي أمريكا اللاتينية »فنزويلا.. وكوبا في السابق«.
 
إلا أن منطقة الشرق الأوسط (لأسبابها).. وخلافا لنظيراتها من مناطق العالم الأخري.. أشبه بلوحة سيريالية تتابع مشاهدها الدامية دون توقف.. من الحرب علي الجبهة الأفغانية الباكستانية جنوبي السويس منذ 2001، إلي الاقتتال الأهلي وأعمال القرصنة في الصومال علي مدخل البحر الأحمر منذ 1991، إلي سائر نزاعات القرن الأفريقي.. خاصة في السودان منذ ثمانينيات القرن الماضي إلي الآن، ناهيك عن الاستقرار »الجبري« الهش في المغرب العربي، إلي ما تشهده منطقة شرق البحر المتوسط جراء السياسة الاسرائيلية.. سواء في لبنان أو غزة اللتين شهدتا حربين بربريتين خلال العامين الأخيرين.. إلي سوريا »تحت السلاح« منذ 1967، إلي السلام البارد بين مصر واسرائيل المكبّل باتفاقيات تعاهدية ملزمة تحول دون انهياره حتي الآن، إلي ما يجري في شرقي السويس.. سواء من غزو العراق 2003، إلي ما تمثله طموحات إيرانية من مخاوف علي مشيخات الخليج وإماراته، وليس انتهاء بتركيا القابعة عند الثقب الأسود في أقصي الشمال الشرقي لمنطقة الشرق الأوسط.. إذ تسعي بقوة إلي معاودة دور »الوصلة« بين الشرق والغرب، لصالح من؟ هذا ما سوف تسفر عنه تطور الأحداث المقبلة.
 
من خلال هذه ا للوحة السيريالية المفعمة بالفوضي والعنف.. غير الخاضعة لأي تحليل منطقي.. مردّ ذلك إلي أمرين متلازمين.. غياب »جماعية القيادة« التي لا تسمح إلا لـ »حصان واحد« لأن يسيس الدولة.. فيما يساق معها من خلال المتربصين بهما في الخارج إلي حيث مواطن التهلكة، إلا استثناءات قليلة ينطبق معظمها فحسب علي الجارات غير العربيات في المنطقة، ولينحصر المواطن ـ من ثم ـ بين الرضوخ لبطش  الداخل فراراً من سطوة الخارج من ناحية أو اللجوء لحماية الأجنبي خوفاً من انسحاق ابن البلد، إذ هكذا ضاع العراق »الشرق الأوسط المصغر« ـ علي حد تعبير كبير مستشاري الحكومة التركية داود أوغلو، حيث يلي العراق.. أوطان أخري إلي نفس المصير ـ بطريقة أو أخري.
 
ولما كان للشعوب حدسها الخاص، وحساباتها المتوارثة من تجارب الماضي، فإن الحكام مهما بلغ بطشهم.. يعجزون إزاءها عن سبر أغوار شعوبهم، كما تضلّ قوي الهيمنة الخارجية مهما أفرطت في استخدام القوة عن توقع ردود أفعالها، وإلا ما كان للثورات الشعبية أو حركات التحرير.. أن تبلغ أمانيها، لذا.. فإن الأمل معقود علي الشعوب وقواها الحية للخلاص من مأزقها الوطني ما بين بطش الداخل وسطوة الخارج، الأمر الآخذ في التبلور خلال السنوات الأخيرة لدي شرائح متعاظمة  للرأي العام الشعبي والنخبوي.. في لبنان وإيران وغزة وأفغانستان والعراق.. إلخ، مما أدي إلي اهتزاز عروش.. تسارع اليوم لكي تتساند بالمصالحة فيما بينها فرارا من المصير الماثل، فيما تستشعر المصالح الغربية.. الخطر إذا ما طال الأمل بشرق أوسط قلق ومتوتر لأكثر من هذا، وليتجها سوياً ـ العروش المسنّدة وقوي الهيمنة الآفلة ـ إلي استرضاء الشعوب وإلي تلبية حقوقها المشروعة.
 
إلي هذا السياق، يشتد عضد المقاومة في افغانستان مما يدفع واشنطن وحلف »الناتو« للاتجاه نحو إجراء مفاوضات مع »عناصرها، المعتدلة«، فيما يؤكد بيان المقاومة العراقية بمناسبة الذكري السادسة لسقوط بغداد علي مدي.. ما تتمتع به من بأس وحسن التنظيم، كذلك الحال بالنسبة لصلابة المقاومة الفلسطينية رغم ما نزل بها من نوائب الخارج وانقسامات الداخل، ذلك في الوقت التي تتأهب فيها كل من الجزائر ولبنان وموريتانيا والسودان ومصر وافغانستان.. وغيرها لإجراء انتخابات تشريعية أو رئاسية خلال العامين الحالي والمقبل.. وإن لم تلحق بها عدم الشفافية.. فقد تنبأ بصفحة جديدة في كل منها.. أقل بطشا وربما أكثر ليبرالية..
 
 ومن ناحية أخري، وفي إطار التفاهمات الناتجة عن »قمة العشرين«.. فقد أذنت بأفول الأحادية الأمريكية، وبطي صفحة »تغريب« العالم، ونشوء عالم متعدد الأقطاب.. الأمر الذي يلتقي مع نهج »أوباما« في الانفتاح علي الخصوم السابقين طوال أعوام إدارة »بوش«.. مثل سوريا وإيران وحزب الله وحماس، إذ تلّوح واشنطن بغصن الزيتون لإيران.. العنصر الأساسي لتسوية مأزقها الماثل في افغانستان والعراق، فيما تلوح بوادر توتر واصطدام محتمل بين الإدارة الأمريكية الجديدة.. وحكومة اسرائيل الجديدة، وحيث تهييء الأولي ـ بحسب ما يتواتر عن كبريات الصحف الأمريكية ـ مؤيدي اسرائيل في الكونجرس لخلاف غير مسبوق في حدته علي خلفية المسألة الفلسطينية، وما إلي ذلك من تحولات غير متوقعة تشهدها منطقة الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة.. كانت إلي عام مضي اشبه بالمستحيلات.. إلا أن يستجيب القدر لإرادة الحياة عند الشعوب.

شارك الخبر مع أصدقائك