رجائى عطية

أهمية استهداف التعاون النقدي العربي

شارك الخبر مع أصدقائك

عندما نطالب بالتعاون الاقليمي في قطاع من القطاعات أو في مجال من المجالات المطلوب فيها تعاون جاد، فإنه لابد أن تكون هناك آليات وامكانيات عملية يتم بموجبها وعلي أساسها تطبيق التعاون وتفعيله، لكي لا يكون مجرد فقاعة اعلامية مثلما يحدث حالياً في التعاون بين قطاعات عديدة في الدول العربية التي كانت محل اهتمام كبير عندما نشأت جامعة الدول العربية في مارس 1945 حيث نص ميثاقها علي تحديد مجالات للعمل العربي المشترك ووضع اطار دائم للتعاون في كل مجال منها مع اقرار خطة لتنفيذه.
 
وإذا كان التعاون بين الدول العربية يتم حالياً شكلاً نظرياً فقط في أغلب المجالات، لصعوبة ممارسته بخطوات عملية فنية ميكانيزمية بما يتطلبه ذلك من جهد كبير يفضلون الاستغناء عنه وتغطيته بالاجتماعات الودية والزيارات التبادلية ودعم الدعوات الشخصية، فإنه لا يمكن أن يتم بهذا الشكل في مجال التعاون النقدي العربي، لأنه تعاون يتطلب لارسائه خطوات فنية دقيقة ومحددة ومحسوبة لا يمكن أن يقوم بها إلا نخبة من الخبراء المهنيين الذين درسوا النظام النقدي العالمي والتنظيمات النقدية الاقليمية ومقاصة المدفوعات التي تغني عن صعوبة التحويلات النقدية وتستبدلها بخطوات بسيطة أخري.. لا تضر دولة من الدول الأعضاء ولا تستفيد منها دولة علي حساب باقي الدول الأعضاء الأخري.
 
ولقد كانت هذه الاعتبارات في ذهن المخططين الاقتصاديين العرب الذين كانوا يؤمنون بأن المعاملات التجارية والخدمية لن تحقق أهداف التعاون العربي المنشود ولن تزيد من معدلات التبادل التجاري بين الدول العربية، طالما ليست هناك آليات نقدية وفنية لاجراء المدفوعات بين هذه الدول بطريق سهلة وميسرة علي غرار ما يتم في التنظيمات النقدية الاقليمية التي رفعت معدلات التبادل التجاري بين الدول الأعضاء بنسبة كبيرة تزايدت علي الضعف في كثير منها، ويتم ذلك بعيداً عن الوسائل التقليدية التي تستخدم عادة في زيادة معدلات التبادل التجاري كإلغاء الرسوم الجمركية والقيود الكمية والحصصية علي التبادل، والتي يمكن أن تساهم بنسبة قليلة من الزيادة المطلوبة.
 
ومن هنا اهتمت نخبة من خبراء النقد العرب بوضع خطط التعاون النقدي العربي في عالم ما بعد الجامعة العربية، وذلك بشكل عملي حيث أعدت بشأنها في البداية اتفاقية تسهيل اجراء المعاملات الجارية وانتقالات رؤوس الأموال بين الدول العربية عام 1953 ولم تنفذ، ثم تم اعداد مشروع اتحاد المدفوعات العربي في الستينيات ضمن اتفاقية السوق العربية المشتركة التي لم تنفذ أيضا وهي التي نصت علي ضرورة إنشاء اتحاد مدفوعات عربي وصندوق نقد عربي للدول العربية بحيث تصبح عملاتها قابلة للتحويل فيما بينها، كما وضعت قواعد مؤقتة لتسهيل إجراء المدفوعات العاجلة لحين إنشاء اتحاد المدفوعات العربي وبغرض تشجيع التجارة البينية العربية ولكنها لم تنفذ أيضاً!!
 
وطالما أريد للتعاون النقدي العربي أن يأخذ طريقه الجاد لزيادة التبادل التجاري البيني، خاصة أنه بدونه فلن يتزايد التبادل مهما تقرر من حوافز أخري ومهما بذلت مجهودات لمحاولة القضاء علي الصعوبات التي تعوق هذا التبادل، وهو ما أوضحته تجربة تطبيق منطقة التجارة العربية الحرة خلال سنوات الخمس الأخيرة التي لم تستطع الحوافز الجديدة المقررة بها والتوجيهات الصادرة من أعلي المستويات الإدارية تفعيلها والتي كان آخرها التوجه الصادر من مؤتمر القمة الاقتصادية بالكويت الذي يطالب برفع معدل التجارة البينية إلي عشرين في المائة تمهيداً لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي، لم تستطع كل هذه الجهود زيادته.
 
طالما أريد للتعاون النقدي العربي أن يأخذ دوره الضروري والحتمي لزيادة معدلات التبادل التجاري العربي البيني، الذي يساعد علي اقامة التكامل الاقتصادي العربي بشكل عملي بعيداً عن الموتمرات النظرية والفقاعات الاعلامية واستهلاك الأموال في خطوات غير مدروسة وغير مؤهلة ولصالح فئة قليلة ظهرت مؤخراً بدعوي العمل لتحقيق هذا الهدف، فإنه يتعين أن تشارك فيه كل الجهات ذات الصلة بالمبادلات التجارية بين الدول العربية وبأقصي جهدها وامكانياتها وعلمها.
 
ولا شك أن مجلس الوحدة الاقتصادية العربية يأتي في مقدمة هذه الجهات حيث يطالب رئيسه بأن يتحول المجلس إلي منظمة لتنمية التجارة والاستثمار البيني، وهو مؤشر لصعوبة قيام هذا المجلس بدوره الرئيسي في ارساء الحريات الخمسه للتبادل التي نشأ من أجل تحقيقها، حيث تبين فعلاً أن ما يتم الاتفاق عليه داخله يتحول إلي فقاعة اعلامية ما لم تحدد خطوات عملية ويتم وضع برامج تنفيذية قبل الصياغة وقبل النص بل وقبل الفكرة ذاتها مثلما يحدث في مؤتمرات عربية عديدة تحفظ توصياتها في الأدراج وتندثر قراراتها مع الزمن.
 
أقول انه في ضوء ما تبين من عجز التعاون الاقتصادي العربي عن الأداء الجيد، ومع اتهامه بالمسئولية الجزئية عن الأزمة المالية العالمية الحالية حيث لم يتمكن من تحويل الأموال الضخمة التي حصلت عليها المنطقة العربية نتيجة ارتفاع سعر البترول التي تقدره بعض الجهات بما لا يقل عن تريليوني دولار أمريكي، لم يتمكن من تحويلها إلي مشروعات إنتاجية وخدمية وبنية أساسية تساعد علي انقاذ العالم العربي من الهبوط الاقتصادي الذي  انحدر إليه نتيجة هذه الأزمة وفروعها المتشعبة – فإن الوضع الاقتصادي للتعاون العربي المشترك أصبح يحتاج إلي اعادة هيكلة سريعة قبل وصوله إلي أشلاء وحطام وهياكل فارغة.
 
وعلي أن تكون البداية بالنسبة للتعاون النقدي العربي باقامة شكل من أشكاله التنظيمية والعملية التي ترفع معدلات التبادل التجاري البيني والتنمية الاقتصادية الشاملة.. ولن يأخذ ذلك جهداً طويلاً طالما خلصت النوايا وصعد علي السطح العربي هؤلاء النخبة الأمينة من الخبراء العرب في النقد والبنوك والاقتصاد، وأمامنا نماذج جيدة مازال جوهرها مدونا في أرشيف جامعة الدول العربية.. مجمدة دون سبب ولا منطق مقبول.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »