رجائى عطية

أنجيلوس سكليانوس الشاعر اليونانى الآخر

شارك الخبر مع أصدقائك


عن الشاعر الإسكندرى الآخر، أنجيلوس سكليانوس، كتب الأستاذ العقاد مقالاً ثانيًا، نشر فى الأسبوع التالى 31/8/1951 بذات جريدة الأساس، وقد تضمنته أيضًا مجموعة «بين الكتب والناس» التى صدرت عام 1952.

ولم يولد سكليانوس بمصر كما ولد قسطنطين كفافى، وإنما ولد فى إحدى الجزر اليونانية، ودرس القانون فى أثينا، وساح فى بلاد كثيرة ومنها البلاد المصرية، ولم تكن إقامته بها طويلة، لكنها أوحت إليه فيما يقول الأستاذ العقاد قصيدته التى أسماها « الناظر» أو «الملهم»، وهى إحدى منظوماته التى تخيلها ونظمها بالصحراء الليبية، وقد كان يعول على أبناء وطنه المتمصرين فى إذاعة قصائده المهربة أو المحظورة، وهى القصائد التى نظمها إبان الاحتلال الإيطالى لوطنه أيام الحرب العالمية الأولى.

هذا ويمثل كفافى وسكليانوس مدرستين متقابلتين فى الشعر اليونانى الحديث، ولم يكن الاختلاف بينهما فيما يورد الأستاذ العقاد مجرد اختلاف على الأسلوب الإنشائى أو المدرسة الأدبية، وإنما كان اختلافًا بعيدًا فى المزاج والطبيعة، ويدل ببعده واتساع نطاقه على ثراء العبقرية اليونانية التى استطاعت فى عصر واحد أن تعرض نفسها على هاتين الصورتين المتقابلتين، وكل منهما يونانية عريقة فى الصميم.

كان كفافى فيما يقول يستوحى الذوق والفن والنزعات الحسية، بينما وحى سكليانوس كله أو معظمه مستمد من النخوة القومية والعقيدة الدينية والتفكير فى مصير العالم الإنسانى روحًا وجسدًا، وذلك بعد الأزمات التى حاقت بضميره وحجبت بصيرته عما وراءها، وهو مسيحى شديد الإيمان بعقيدته ويصبغها بالفكرة الإغريقية أو يحاول تنصير هذه الفكرة الإغريقية وتقريبها إلى المثل المسيحية العليا.

ومن نماذج شعره الدينى فيما يورد الأستاذ العقاد قصيدة له عن السيد المسيح وتلاميذه وهو ينتقل بهم بين المدينة وضواحيها، ليهديهم إلى عظات الطريق كلما عبروا مكانًا من مساكن الناس إلى الخلاء، حيث تسكن الأفاعى والديدان ورمم الموتى من الحيوان، وقد وصل بهم أثناء هذه الرحلة إلى مجتمع القمامة والأقذار خارج المدينة العظيمة، وجعل يقترب بهم من الجثث المنتنة وهم يزوون وجوههم عنها ولا يطيقون الصبر عليها، حتى انتهى إلى جثة كلب عفن حديث عهد بالتعفن فصاح أحدهم : أيها المعلم ! كيف تطيق هذه العفونة على مقربة منها ؟ فقال لهم : لو أحسنتم الشم لكان هربكم من عفونة المدينة أشد من هربكم هنا إلى جانب هذه الجثة، ثم أومأ لهم إلى أسنان الكلب اللامعة بين الأقذار وقال لهم : حتى هذه القمامة تستطيع أن تعكس نور الشمس بشىء غير العفن والنتانة!!

ومن نماذج شعره الإنسانى فيما يورد قصيدة له عن مدرب أو راعى للدببة (دبَّاب)، يسرح بدبة كبيرة ومعها ولدها الصغير، وتتعب الدبة من فرط الرقص وجهد الجوع والسفر فلا يستحثها بالسوط ولا بالكلام، بل يعمد إلى حلقة مغروزة فى منخر الدب الصغير فيشدها بحبل فى يده، فتنطلق الأم المسكينة فى الرقص كالمجنونة المسعورة إشفاقًا على وليدها، ويقول الشاعر إن العالم الإنسانى قاطبة يرقص ويمعن فى الرقص كما تفعل هذه الدبة مرغمة وبغير مرح ولا لذة، وإنها فرجة لا تسر من يعرضها ولا من ينظر إليها، فهل ينتهى هذا الطرب الشقى فى يوم من الأيام ويعرف الدب والدباب والمتفرجون مرقصًا غير هذا المرقص الأليم ؟

ويقول فى هذه القصيدة إن نور الأمل قد تسلل إلى نفسه كما يتسلل نور الشمس إلى السفينة الغارقة من بعض شقوقها. وهذا تمثل صادق فى التعبير عما يوجب ذلك المنظر المحزن للدبة التى تألمت فى الرقص لتنقذ ولدها الصغير.

هذا وقد يطرق سكليانوس موضوعات الحب والغزل ويمعن فى غرائبها، ولكنه لا يستبيح لنفسه ذلك الغزل المكشوف الذى يستبيحه كفافى حين يتكلم عن الحب الطبيعى أو الحب المحظور ويتمادى ما شاء فيه.

وربما كانت النزعة التاريخية أقوى فى غزليات سكليانوس من النوازع الشخصية، فهو يونانى بذاكرته وخياله لا برغابه وشهواته.

ومن قبيل قصائده هذه فيما يورد الأستاذ العقاد قصيدة عن رجل اسبرطى يبحث عن عاشق لزوجته وفقًا للتقاليد الإسبرطية أو لشريعة ليكرغوس المنقولة عن عرفها القديم، وخلاصة هذه التقاليد أنهم كانوا يكرهون تربية الضعفاء من الأبناء وكانوا يغسلون الطفل الوليد بالنبيذ إمتحانًا لقوته وسلامة وعيه، فإذا احتمل النبيذ عاش وتعبوا فى تربيته على الخشونة والشطف والفروسية، وإذا غاب عن وعيه ألقوه بالعراء وتركوه للجوارح والوحوش، وكانوا يوجبون على الشيخ الهرم فى سبيل تصحيح النسل أن يجلب إلى زوجته شابًا وسيمًا وثيق البنيان ينجب منها ولدًا يجوز ذلك الامتحان، فاتخذ الشاعر هذه التقاليد موضوعًا لقصيدة من قصائده، ووصف شعور الشيخ الذى ينصب الحبائل للعاشق الذى يعقب من زوجته ولدًا ينسبه إلى نفسه، ويحسب أنه قد ظفر ببغيته حين يوقع فى أحبولته فتى تتم له شروط الشريعة القاسية!

ولاشك أن مثل هذا الموضوع يستنفد خيال الشاعر ويكلفه عنتًا شديدًا فى تصويره لذلك الشعور المتناقض وتلك المحاولة الغريبة.
هذا ويبدو الإغراق فى النزعة الإغريقية فى كل مناسبة يختارها سكليانوس لنظم قصائده، كإغارة الإيطاليين والجرمان على أرض اليونان.

وهو يختار لقصائده الحماسية أسماء الحراس الأقدمين الذين كانوا على حدود الحضارة المسيحية لدفع الهمج والصمود لهم حتى تأتيهم النجدة.
وقد أنفق سكليا نوس فيما يورد الأستاذ العقاد أنفق ما وسعه أن ينفقه من المال وثابر على السعى عند الأمريكيين والأوروبيين الغيورين على التراث اليونانى لإحياء المسرحية اليونانية فى مسارحها الأولى، فأفلح بعض الفلاح فى تمثيل روايات الشاعر الخالد «سكايلاس» على ملعبها القديم.

وجملة ما يقال عن الشاعر سكليانوس إنه كان كاف لموازنة زميله الإسكندرى، ومقابلته فى إشباع العبقرية اليونانية من طرفيها.
على أن القدرة التى اعتمدا عليها فيما يرى ليست بالملكة النادرة بين أدباء الأمم فى العصر الحديث، ومن الجموح والغلو ارتفاع بعض نقاد الغرب بالشاعرين إلى مصاف العظماء فى الشعر، فذلك الغلو مرجعه التعصب للتراث اليونانى القديم.

على أن الأمر المحقق فى رأيه أن قارئ الشاعرين لا يشعر بخيبة الأمل بعد استيعاب الكفاية من قصائد كل منهما ومقطوعاته، فإنه يعلم حينئذ أنه ينظر إلى بناء جميل متناسق الأجزاء قليل الشموخ والادعاء.

ويختم بأن كلاَّ من الشاعرين : كفافى وسكليانوس كوخ أنيق معجب، لا يضيره أن تنظر إليه على حقيقته ودعواه، وإنما يضيره الغلو الذى يعرضه فى صورة القصر الباذخ.
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »