رجائى عطية

ألم نقل : إن من الخصخصة ما قتل ؟!

شارك الخبر مع أصدقائك

رجـــائي عطية:
 
لم يمض إلاّ يومان ـ علي نشر مقال ” بل من الخصخصة ما قتل ” ( المال 8/5 ) ردّا علي دعوة الدكتور عبد المنعم سعيد بالمصري اليوم ثم بالأهرام ( 7/30-29) .. إلي خصخصة المياه ، ومحاذير وأخطار هذه الدعوة  بتسويتها المغلوطة بين  ” المياه ” وبين السلع والخدمات ، بينما المياه هي الحياة كالهواء ، لا يجوز أن تخضع لا لاحتكار دولة ولا لاحتكار شركات أو تجار .. أليس يقال في المثل العامي    ” المياه لا تفوت علي عطشان ” ! .. هذا التعبير الشعبي الضارب في القدم ، يتلاقي مع حقائق الحياة ، ومع دعوات الأديان التي يجمعها حديث رسول القرآن : ” الناس شركاء في ثلاثة  : الهواء والماء والكلأ ”  .

 
         أقول لم يمض سوي يومين علي مقال الاعتراض علي الخصخصة ( القاتلة ) للميـاه ، إلاّ وطالعتنا صحيفة الأهرام بصفحتها الأولي ( 7/8 ) بعنوان صافع لافت قاطع ناصع كفلق الصبح : ” ضبط زجاجات معدنية معبـأة من الخزانات العامة ” !.. وفـي تضاعيـف الخبـر أن النيابة العامة أمرت بالتحفظ علي أربعة آلاف زجاجة مياه معدنية ( معدنية فرضًا لا واقعًا ! ) لدي تجار الجملة بمدينة السلام ، من إنتاج إحدي الشركات الكبري ( لاحظ : الكبري ! ) ، بعد أن تبين أن الشركة ـ الكبري ! ـ تستخدم مياه الخزانات العامة كمصدر لعبوات المياه التي تطرحها . وأمرت النيابة العامة بإرسال عينات من زجاجات المياه المضبوطة للتحليل بالمعامل المركزية لوزارة الصحة  !
 
       علي أن الأمر لم يقتصر علي هذه الشركة ( الكبري ! ) ، وإنما يقول الخبر إن اللواء مساعد وزير الداخلية لمباحث التموين قد تلقي عدة بلاغات عن قيام بعض شركات المياه المعدنية باستغلال الإقبال المتزايد علي المياه خلال فترة الصيف ، فجعلت تقوم بتعبئة زجاجاتها بمياه الخزانات العامة ومن الآبار الارتوازية ، وأكدت التحريات المكثفة التي أجريت صدق هذه البلاغات ، وثبت لدي ضباط إدارة مباحث التموين  والمتابعات الأمنية وجود عبوات مياه معدنية (؟!!) لدي تجار الجملة والمحلات من إنتاج هذه الشركات الكبري ! .. وأنه تم التحفظ بالنسبة لإحدي الشركات ( الكبري ! ) علي 4000 عبوة مياه معدنية (؟!! ذات أحجام مختلفة غير مصحوبة بأية مستندات أو فواتير تفيد مشروعية حيازتها أو مصدرها ، فكان أن أمرت النيابة العامة بسحب عينات منها للتحليل للتأكد من صلاحيتها للاستهلاك الآدمي !
 
      لسنا بحاجة إلي قفز الحواجز أو سبق الأحداث ، فيستوي في شجب منطق الخصخصة وبيان أخطاره وبلاياه ـ أن يكون التلاعب في التعبئة من ذات الشركة ـ الكبري ! ـ المبلغ عنها ، أو من تجار جملة أو تجزئة استباحوا الغش تحت شعارها أو لا فتتها  أو علاماتها التجارية ! . النتيجة للمستهلك واحدة ، والدليل  واحد ودامغ علي بهتان وخطر منطق خصخصة المياه !
 
      الاحتكار الذي تدعيه وتتذرع به الدعوة لخصخصة المياه ، ينطوي تعميم الادعاء بوجوده علي مغالطات غائرة .. فالدولة لاتحتكر المياه ، وإنما تنهض بواجبها في توفيرها وكفالة وصولها ـ وهي الحياة  ـ سهلة ميسورة ونظيفة إلي مواطنيها .. فهي لا تحتكر المياه لتبيعها وإنما تقوم بواجبها لتوفيرها ، وما تتقاضاه من رسم رمزي ضئيل علي توصيلها ولضبط استخدامها وحمايته  من سوء الاستهلاك والتفريط ـ لا يدخل  في مفهوم الاحتكار أو التجارة ، وإنما هو أساس مشروعية الدولة أن تحمي وتحفظ حياة مواطنيها وأن توفر لهم سبلها العامة كالمياه التي لايستغني عنها إنسان أو حيوان أو نبات ! والدولة حين تنهض بهذا الواجب الوطني والذي تنخلع من مشروعيتها  إذا قعدت عنه ، لا تحتكر ولا تصادر سبل التوفير الأخري  .. والأمثلة علي ذلك عديدة .. أظهرها عشرات شركات المياه التي غدر بعضها وغش وخان علي نحو ما كشفت عنه الضبطية الأخيرة !! وأقربها لمن جال في الريف ، ما يلجأ إليه الفلاحون من قديم ، ومن قبل شبكات المياه ومحطاتها ، من دق الطلمبات التي توفر ـ بخبرة دانت لهم ـ المياه الارتوازية التي عرفوا بالتجربة ـ من قبل توفير سبل القياس الحديثة ـ كيف يطمئنون إلي مكوناتها . الأزيار في الريف ـ لجأ إليها المصري القديم لتنقية المياه في إناء يوضع بأسفلها و بترويق محتواها بنوايات ( جمع نواه ) الفواكه.. ما أريد أن أقوله إن نهوض الدولة بواجبها القومي في كفالة سبل الحياة لمواطنيها لا يندرج في باب الاحتكار الذي اتخذ الدكتور سعيد مساوئه تعلة للدعوة إلي خصخصة المياه ! ففكرة التنفير من احتكار الدولة للمياه ذريعة مغلوطة ، تتجاهل أولا أن توفير الدولة للمياه ليس احتكاراً ، وتتجاهل ثانيا وهو الأهم ـ أن الاحتكار الأخطر هو احتكار الشركات والتجار أصحاب المآرب والمنافع !!.. احتكار الدولة ـ إن حدث وهو غير حادث في شأن المياه ـ قصاراه أن يعترضه إهمال أو هبوط في مستوي الأداء ، أما احتكار الشركات والتجار فهو احتكار مغرض تحركه مآرب ومسعي دائم وحثيث إلي الكسب والتغول فيه والبحث عن كافة سبله وجلباته بما في ذلك الغش الذي دعا كتابا سماويا ـ القرآن المجيد ـ إلي تخصيص سورة من سوره باســم سورة ” المطففين ” ، وحذر في آياتها وغيرها وفي السنة النبوية من تطفيف الكيل والميزان ومن الغش بكل صوره .. هذا الغش الذي رأيناه في الواقعة المضبوطة .. سواء كان الفاعل فيها هو الشركة الكبري للمياه المعدنية !!! ، أو تجار الجملة أو التجزئة ، أو بمخطط واسع ضالع فيه هؤلاء الأطراف أو تابعوهم وسط محيط يشيع فيه منطق الكسب ويتقدم كل ما عداه !!
 
       أخطر ما نقع فيه ، أن نزين خصخصة المياه للناس ـ  بأنها الجنة التي تنقذهم من العطش وتوفر لهم الماء فراتًا سلسبيلا ، أو نتاجر عليهم بمحنة الظمأ التي يعيشون فيها بأن المخرج هو خصخصة الماء !! .. أي خصخصة وقيام الدولة بواجبها ـ الذي قصرت فيه ! ـ  بتوفير الماء ، لم يمنع أحدا من خصخصته وبمباركة الدولة ذاتها التي أعطت عشرات التراخيص لمن يتاجرون علي الناس بالمياه المعدنية  ثم يملأون القوارير بمياه الخزانات العامة ؟! .. هل منعتهم محنة العطاشي التي تزلزل القلوب من استغلال مأساة الناس في غش المياه وبيعها إليهم ؟!.. وأي خصخصة تصلح بديلاً مقبولاً  لإقامة المشروعات الكبري التي لا يجوز إخلاء مسئولية الدولة عنها في إقامة محطات الضخ والتنقية ، ومد شبكات المياه والصرف ، مع شق الترع لتغطية كافة المساحات المزروعة أو المطلوب زراعتها في مصر ؟!..أي شر كة خاصة يمكن أن تنهض بهذا الواجب الوطني الكبير الذي تفقد الدولة مشروعيتها إذا فرطت فيه أو أناطتــه بغيرها متذرعة ” بالرقابة ” و ”  الضوابط ” التي يلتحف بها اقتراح الخصخصة لمراقبة قيام شركات الخصخصة بواجبها ؟!  هل منعت هذه الضوابط ما كشفت عنه الضبطية ونشره الأهـرام  ( 8/7) ؟! .. أليـس جزءًا لا يتجزأ من القضية مستوي الأداء الإداري الهابط الذي يعرفه القاصي والداني بل ولم تنكره ذات دعوة الخصخصة  التي صرحت بما ” يعانيه ” بر مصر ـ علي حد تعبيرهـا ـ من فقر ضرب في الواقع كل شيء بما فيه ثقافة الإدارة والضبط والربط وثقافة العمل والإنتاج ؟!  .. هل يعقل ونحن نعاني من كل هذه الأمراض أن نسلم مفتاح مياه مصر ـ شربًا وريًا ! ـ إلي شركات هدفها الكسب لتتحكم في الأمن القومي المصري من خلال تحكمها في حيوات الناس مع الضرع والزرع  . إن الماء هو الحياة في بر مصر .. مهما أهملت الإدارة في توفيره وتيسيره ، فإنها أرحم ببنيها من طلاب الكسب والمنافع . جدير بنا بدل الدعوة لخصخصة المياه ـ أن نخرج حكومة وشعبا من وهدة الإهمال والمظهرية ، وأن نهيب  بالإدارة المصرية تفعل برامجها وأداءها ، وأن تضع المياه ـ شربًا وريّا ـ  في صدر قائمة أولوياتها .. نعرف أن الشوط طويل ، وأن الأزمة التي طالتها تراكمات السنين ـ لن تحل في يوم وليلة ، بل وندرك ـ وإن كنا نتحفظ بل  ونرفض ـ أن لمسارات المياه منازل تبعًا لمستويات الأرض والمهاد ودرجة ارتفاع النبع ـ كمنازل الأحياء بين الغني أو الفقر وبين المدينة أو القرية أو النجع !!..  ولكننا ندرك مع هذا الإدراك أن واجبنا جميعًا أن نتخذ من المياه قضية قومية نتنادي ونتكاتف للقيام بها ، ونلزم الحكومة أن تعوض ـ بخطة طموحة وتنفيذ عاجل سريع ـ ما تراكم علي مصر والمصريين من أحمال وأثقال آن الأوان أن يزيلها ويكفكفها من تسببوا بإهمالهم  أو بقلة بصيرتهم فيها !

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »