رجائى عطية

أغراض الآدميين

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

بخلاف سائر المخلوقات الحية علي المسكونة الأرضية، فإن الآدمي وحده هو صاحب الأغراض التي لا تنتهي، ولا تنحصر، وليس لها ثبات .. ولذا فإن أنماط سلوكيات الآدميين وصورها في تغير دائب، ملحوظ هذا في الجيل الواحد، وملحوظ أكثر في مقارنة الأجيال المتعاقبة بعضها ببعض . وهذا يجعل ثبات أحوالهم وعاداتهم وأعرافهم وقوانينهم نسبيا علي الدوام .. يتحرك ببطء أو بتسارع مع اشتداد حركة الأفكار والأذواق وتقلب ظروف الزمان والمكان، ناهيك بتعاقب الأجيال!
 
فالأحفاد لا يكادون يعرفون عن حياة أجدادهم إلاّ أسماءهم القريبة، ولا يجدون شيئا في حياتهم هم وأساليبها التي يعيشونها اليوم يطابق قليلا أو كثيرا حياة الأجداد، مع أنهم يرددون في بعض أو كثير الأحيان نفس الأسماء والمصطلحات والمسميات التي كان يتداولها الأجداد ويرددونها عن الأسرة والزواج والطلاق والميلاد والوفاة والعبادة والعمل والبطالة والدولة والحكومة والسلم والحرب . هذه المسميات وأمثالها تختلف مفاهيمها من جيل إلي جيل اختلافا يتزايد مع توالي الزمن وتعاقب الأجيال واقتران الأفكار وانتشار الأغراض أو تقلصها وما يتبع ذلك من انتقال وتنوع اهتمامات الآدميين من أمور إلي أخري، ونسيانهم ما كانوا يقبلون عليه سلفا أو يحتفلون به من قبل، واحتفالهم في حاضرهم هم الآن بما لم يكونوا يتصورونه أو يأبهون له!
 
فكم من ملة أو دولة أو ملك أو نظم سادت قرونا ثم انقضت وانطمرت هي نفسها أو عاداتها وتقاليدها وحل محلها شيء لم يكن في السالف أو في أوله شيئا مذكورا، ثم نما وكبر وقوي واشتد وانتشر حتي غطي علي ما سبقه ومحاه، ليعيش بدوره زمنا ثم يرد عليه ما ورد علي سالفه فيأخذ في التحلل والانقراض والانقضاء بعد أن أخذ حظه من البقاء، ثم يطمره النسيان هو الآخر وينساه الناس بعد أن انمحي ولم يعد له وجود في حياتهم الحاضرة، ولا يغير هذا المصير ما تحفظه كتب التواريخ من أخبار تناقلها من رددوها من مصادر أغلبها ظني أو مبتور !
 
ومحاولات البشر كتابة وتدوين تواريخهم وتسجيل أمجاهم وأحداثهم ـ صحيحة كانت أو مبالغا فيها أو باطلة ـ وحنينهم لسماع الأخبار عن الأولين والماضين وما كانوا عليه ـ صادقة كانت أو مغالي فيها أو كاذبة ـ هي كأشواق المسافر الذي يشعر أنه راحل وحكاية القادم الذي يحس أنه بدوره سوف يرحل هو الآخر .. وفي هذا كله اعتراف ضمني بالتغير والزوال وباستحكامهما في حياة الآدمي ووجوده ونوع مقاومة لما يصحب ذلك من الخوف من العدم والمحو والنسيان !
 
ومقاومة الفناء والخوف من العدم تشغل معظم اهتمام الآدميين الأحياء في جميع المجتمعات والعصور، بتخليد ذكراه وإكرام مثواه . فهذه المقاومة وثيقة الصلة بإقامة وزخرفة المدافن والجبانات والآثار، وباقتناء الأموال وجمع الأمجاد وإنشاء الأسر ورعاية القرابات والاهتمام بالصداقات وتبادل الخدمات والمروءات والمودات والالتصاق بالأوطان والقوميات واعتناق الملل والعقائد والمذاهب .
 
ولن تجد لذلك شبيها أو مقابلا لدي غير الآدميين من الكائنات الحية، لانحصار أغراضها وطول ثباتها واكتفائها في المحافظة علي البقاء ـ بالتوالد كثرة أو قلة، والانتفاع بالمحيط في التغذية المباشرة التي لا يتجاوز الادخار لها فصل الشتاء أو فصل الجفاف، وفي المأوي الساذج في كهف أو جحر أو حفرة أو عش أو مربض .. لا تمد هذه الكائنات أغراضها ورغابها إلي ما وراء ذلك، سواء في ذلك حيوان البر أو البحر أو نباتهما .
 
هذا بينما الآدمي دون غيره من الأحياء ـ يدرك في وعيه وشعوره الوجود والعدم، والحضور والغياب، والماضي والمستقبل .. ويستطيع أن يتصور الغيب ويستشرف المستقبل ويسترجع الماضي وأن يتصور أمورا ممتنعة وأخري ممكنة، وأن يغرق في التعامل بين ما يبدو له محققا مؤكدا، وبين ما يمكن أن يأخذه علي أنه جائز الحصول قابل للتحقق، وبين ما يعامله علي أنه خيال مقصود به المتعة والاستمتاع ووهم محض أو كذب أو خرافة، وأن يرتاح إلي ما يقتنع به علي أنه صدق وحق، وأن يرفض ما يوقن أنه كذب وزور.
 
لهذا كله امتدت وتمتد أغراض الآدمي إلي غير نهاية، إذ موضوعات الوعي والشعور والتناول والتعامل والقبول والارتياح والرفض والإعراض ـ لا تتناهي .. كما أن هذه جميعا عمليات نفسية ثباتها دائما نسبي ولاحد لتقلباتها وتحولاتها وتداخلها وتراكبها مع اختلاف الأزمنة والأمكنة والظروف والأشخاص والمستويات والأجيال . فيقين الآدميين وممكناتهم ومحالاتهم وباطلاتهم قابلة للتغير والتغيير مع زيادة أو نقصان المعرفة واتساع وضيق الفهم . وواهم كبير الوهم من يتصور أن الأحوال تبقي كما هي بلا تغيير أو تبديل، أو أنه يمكن رد الحاضر لمحاكاة الماضي الذي كان !

شارك الخبر مع أصدقائك