سيـــاســة

»أسلمة العلمانية«

بعد حالة من الترقب وعدم اليقين السياسي، سادت تركيا لأسابيع خلت، تنفست شعوب الشرق الأوسط الصعداء، بصدور قرار المحكمة الدستورية 30 يوليو الماضي.. رفض الدعوي بحظر حزب العدالة والتنمية.. وايقاف العشرات من قياداته.. بتهمة مناهضة »العلمانية« والقيم الجمهورية.. المكلفة المؤسسة…

شارك الخبر مع أصدقائك

بعد حالة من الترقب وعدم اليقين السياسي، سادت تركيا لأسابيع خلت، تنفست شعوب الشرق الأوسط الصعداء، بصدور قرار المحكمة الدستورية 30 يوليو الماضي.. رفض الدعوي بحظر حزب العدالة والتنمية.. وايقاف العشرات من قياداته.. بتهمة مناهضة »العلمانية« والقيم الجمهورية.. المكلفة المؤسسة العسكرية التركية بصيانتها بحسب الدستور، الامر الذي كان من الممكن حال الموافقة قضائيا علي إغلاق الحزب.. أن يتسبب عنها أزمة سياسية وفوضي داخلية غير محدودتين أو في العودة بتركيا إلي الحكم العسكري المباشر، إضافة إلي اغلاق البوابة الأوروبية تماما أمام انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي.. الذي كان يطالب بحسم الخلاف من خلال الانتخابات وليس في المحاكم، كما يفضي من ناحية ثالثة إلي تعاظم التحركات الانفصالية للأكراد »حزب العمال الكردستاني«، ولتفتقد أزمات المنطقة – من ثم  – ايجابية الدور التركي في تسويتها.. بوصفها إحدي القوي الاقليمية الرئيسية في الشرق الأوسط.
 
لقد صدر الحكم لصالح حزب العدالة بفارق صوت واحد من بين قضاة المحكمة الـ 11، الأمر الذي يجعل من القرار الصادر عنها بمثابة »تحذير جاد« للحزب من السلطة القضائية التي يبدو أن نسبة غير قليلة من أعضائها.. يعتمرون قبعة العسكر.. والاصطفاف إلي جانبهم في صيانة »العلمانية« التركية، وحيث من المنتظر في هذا السياق.. الذي يبدو أن الحزب الحاكم قد استوعب من خلاله الرسالة التي وجهتها إليه منذ ساعات كل من المؤسستين القضائية والعسكرية ، أن يلقي رئيس الوزراء »اردوغان« خطاباً مهماً يعلق فيه علي قرار المحكمة، ويرسم خلاله سياسة جديدة للحزب.. تفتح صفحة مغايرة مع القوي العلمانية.. المتهم حزبه بالسعي إلي اسلمة مفرداتها بشكل أو آخر.. مؤكدا – بحسب تصريح له – علي »مواصلة إحترام قيم البلاد العلمانية«.
 
إن هذه السابقة القضائية.. هي الوحيدة من نوعها في العالم التي تطول حزباً حاكماً في اطار نظام ديمقراطي، مما يلقي شكوكا حول مدي التزام العلمانية العسكرية في تركيا.. وفي مثيلاتها من الدول المشابهة لها في نظم الحكم، بالمبادئ العلمانية الأصيلة، إذ حظرت المحكمة الدستورية منذ انشائها 1962 حتي الآن.. ما يقارب 24 حزبا سياسيا، مستهدفة بشكل خاص الاحزاب الإسلامية والمؤيدة للاكراد – الخ، وهو نفس ما تستهدفه نظم علمانية عسكرية أخري في العالم العربي عبر ما يسمي بلجان الأحزاب .. وما الي ذلك من قوانين مقيدة لتكوين الأحزاب، الأمر الذي تستنكف.. حتي عنصرية إسرائيل – يهودية الطابع – حرمان الأقليات العربية والإسلامية من حقها في تشكيل احزابها الخاصة .. أو تمثيلها برلمانيا، ذلك فيما ينجح »حزب العدالة« منذ 2001 في السير بتركيا علي طريق إعادة الهوية الإسلامية.. دون تفريط بالديمقراطية أو بالمبادئ العلمانية.. مما يضع مؤيدي العلمانية في حرج بالغ أمام العالم كله .
 
إن ما يجري في تركيا من سجال بين العلمانية والإسلام منذ 2001، لن يقتصر عليها فحسب، بل سوف ينعكس هذا السجال بما يتضمنه من انقلابات قضائية – عسكرية، ولم تحسم -بعد – نتائجها النهائية، علي سائر دول المنطقة .. انطلاقا من تجريب تركيا لما قد يسمي بـ »علمنة الاسلام« .. و»اسلمة العلمانية«، إذ سبق أن صدرت »الاستانة«.. مقر الخلافة اايديولوجيتها للمنطقة لنحو خمسة قرون خلت ، قبل أن تصبح »أنقرة« من بعد سقوط الخلافة 1924 – نموذجا للعلمانية – العسكرية التي تسعي منذئذالعديد من دول المنطقة.. أن تحتذيه، وليمسي »كمال أتاتورك« المكني بـ»الذئب الأغبر« .. المفضل للاقتداء به من قبل الضباط الحكام لتسيير نظم الحكم في بلدانهم.. وهي التي شهدت بالتوازي مع ارهاصات سقوط »الرجل المريض«، بروز حركات دينية.. صوفية وسلفية.. كالمهدية والسندوسية والاخوان المسلمين.. وغيرها وسرعان ما اشتدت سواعدهم في العقود الأخيرة من القرن العشرين.. ليشكلوا مع غيرهم علي امتداد المنطقة من طنجة إلي طهران إلي كابول وباكستان.. ما يسمي بصعود »الاسلام السياسي« ليصطدم – ولايزال – بالاصولية العلمانية.
 
إن النموذج »المعتدل« للاسلام السياسي الذي تقوده تركيا في العقد الأخير، والذي يحظي بقبول غربي.. فضلا عن غالبية الاوساط الإسلامية والعربية بحسب آخر الاستطلاعات.. »معهد جالوب« ، ربما يكون في إمكانه نزع فتيل التفجر بين الاسلام والعلمانية.. والذي عجز غيره من التيارات السياسية الثقافية عن إبطال مخاطره طوال القرن.

 

شارك الخبر مع أصدقائك