أخيرًا.. اتفق العرب على أن يتفقوا

شارك الخبر مع أصدقائك

 قليلة هى المرات التى أثبت فيها العرب خطأ نظرية «أنهم اتفقوا على ألا يتفقوا»، وما كانت مناورات «مرجان 15» المشتركة بين مصر والسعودية سوى استعداد لهذه اللحظة، لحظة حماية الوجود والحدود.

جرت تلك المناورات فى شهر فبراير الماضى متزامنة مع تحذيرات مصر من اقتراب الحوثيين من باب المندب وتهديدهم للخطوط الإستراتيجية والتجارية فى البحر الأحمر، فكان التنسيق المصرى- السعودى للتدخل السريع برًا وبحرًا وجوًا لمواجهة أى احتمالات فى حالة استيلاء الحوثيين المدعومين من إيران على السلطة فى اليمن.

جاءت عملية «عاصفة الحزم» فى اليمن، والتى شاركت فيها عشر دول، من ضمنها مصر، قبل ساعات من القمة العربية التى عقدت فى شرم الشيخ، والتى كان من ضمن بنود جدول أعمالها الوضع المتردى فى اليمن، وتشكيل قوة عسكرية عربية، وفرضت الأحداث فى اليمن تنفيذ تلك البنود قبيل عقد القمة بالفعل، مما يعنى الموافقة الضمنية والصريحة على هذين البندين.

بُنى تدخل ائتلاف الدول الداعمة للحكومة الشرعية فى اليمن على طلب من رئيسها عبد ربه منصور الهادى، وتوافقت أغلب الدول على هذا التدخل العسكرى، وبالطبع أعلنت كل من إيران وجماعة حزب الله معارضتها للعملية العربية المشتركة، بدعوى أنها تؤمن المصالح الأمريكية وتقدم خدمة جليلة للعدو الصهيونى وخياراته التى أفرزت مزيداً من التطرف والمعاداة للشعب الفلسطينى وشعوب المنطقة، وكأن تدخل إيران وحزب الله وتقويضهما لأمن الدول والشعوب من خلال مساندة الحركات المتطرفة فيها ليس تأميناً للمصالح الأمريكية الصهيونية. إيران التى أعلنت سيطرتها على أربع دول عربية. إيران التى أعلنت “بغداد” عاصمة لها. وكان تصريح رئيس لجنة الأمن القومى فى البرلمان الإيرانى أن “نار الحرب التى أطلقتها السعودية على اليمن ستطال المنطقة، وهذا دليل على أن إيران تعتبر أن الحرب على الحوثيين حرب عليها هى.

لقد تقابلت وتعانقت قضية الشرعية فى اليمن – خاصة مع ظهور الرئيس السابق على عبدالله صالح فى المشهد- مع قضية الأمن القومى العربى، فلكل دولة مشاركة فى الائتلاف العسكرى مصلحة، خاصة فى مواجهة التهديد الذى يشكله الحوثيون ظاهرياً وإيران فعلياً.

فبداية لن تقبل أمريكا بأى حال من الأحوال بسيطرة إيرانية على مضيق باب المندب ولا بتهديد المملكة العربية، بما يستتبع ذلك من سيطرة على نفطها.

السعودية تحمى وجودها وليس حدودها فقط، بعد أن كشف الحوثيون عن نواياهم بإجراء مناورات عسكرية على حدودها فى إشارة واضحة لهدفهم النهائى.

تتشارك بقية دول الخليج مع السعودية فى المخاوف والتهديدات التى تواجه الأخيرة.

مصر تحمى ممراتها المائية الدولية الممثلة فى قناة السويس وقناة السويس الجديدة ومشروعاتها التنموية المستقبلية المزمع إنشاؤها فى هذه المنطقة، فهى تهدف للحفاظ على أمن وسلامة الملاحة فى البحر الأحمر فى مواجهة أى تهديد من الحوثيين لخطوط التجارة الإستراتيجية فى البحر الأحمر.

لا يحتاج الأمر إلى القول إنه ما كان يمكن لقطر أن تشارك فى هذا الائتلاف دون صدور أوامر من أمريكا التى تقدم الدعم اللوجيستى والاستخباراتى لعاصفة الحزم، والدليل على ذلك اعتراضها على الضربة الجوية البرقية المصرية لمراكز داعش فى ليبيا بعد ذبح عشرين مصريًا.

أما رفض دولة عمان- الظهير الجغرافى لليمن- المشاركة فى هذا الائتلاف، فقد كان متوقعًا، فعمان دون كل دول الخليج لديها علاقات مستقرة مع إيران، وتعتبر حلقة الوصل والوساطة بين إيران وشقيقاتها فى الخليج، وتعد عمان المحطة الأولى للتصالح الدبلوماسى الإيرانى مع العالم العربى، كما كان للسلطان قابوس دومًا موقفه الخاص من القضايا والأزمات، ونذكر أن عمان رفضت قطع العلاقات مع مصر وتجميد عضويتها فى جامعة الدول العربية بسبب زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس وعقد معاهدة سلام مع إسرائيل.

هذا مع الوضع فى الاعتبار اتفاق إيران وعمان على إمداد الأخيرة بعشرة مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً بقيمة 60 مليار دولار، وبناء أطول خط أنابيب تحت مياه مضيق هرمز لتصدير الغاز الطبيعى للهند بطول 260 كيلو مترًا.

أما مشاركة باكستان الدولة النووية الإسلامية- إن تمت- فمن أهم أسبابها هو رغبتها فى ألا يكون لإيران النووية الإسلامية اليد العليا لا فى العالم الإسلامى أو العربى، خاصة أن المملكة العربية السعودية هى الممولة للبرنامج النووى الباكستانى.

ورغم أن القضية هى صراع وجود، لكن هناك من يصر وله مصلحة فى تصويره على أنه صراع مذهبى سنى- شيعى،ورغم ذلك فهذه الضربة رسالة واضحة لكل التنظيمات المتطرفة- سنية كانت أو شيعية- المعادية للإنسانية واستقرار الشعوب.

من ناحية أخرى يبدو أن أوباما وجد فى عملية عاصفة الحزم وتأييده لها مخرجاً من أزمة الاتفاق مع إيران حول برنامجها النووى الذى تعارضه إسرائيل بشدة، ودعا نتنياهو إلى تحديه والتوجه لمخاطبة الكونجرس الأمريكى دون موافقة الرئيس.

إن الدعم الأمريكى للضربة العربية والمشاركة بالدعم اللوجيستى والاستخباراتى قد يعرض المفاوضات الأمريكية- الإيرانية للتراجع والتعطيل مهما نفت أمريكا.

يجب ألا ننخدع ونتصور أن مشاكل المنطقة حُلت بعاصفة الحزم، بل على العكس فإن أوقاتاً صعبة تنتظر ليس المنطقة وحدها ولكن العالم كله، فأحداث اليمن هى جزء لا يتجزأ من المؤامرة الكبرى التى تستهدف إضعاف دول المنطقة كلها، والتى نجحت حتى اليوم فى مواجهة ومقاومة تلك المؤامرة. فاليمن هى أفضل نموذج للحرب بالوكالة.

شارك الخبر مع أصدقائك