شريف عطية

أخطار ما بين المعارك

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية
 
تجاهد سوريا  العواصف لنحو أربعة عقود، لا تزال تتخلص من محاولة لعزلها إلا لتخوض غماراً أخري، ليس آخرها.. حملة اتهام الإدارة الأمريكية علي لسان المندوبة الدائمة في الأمم المتحدة »سوزان رايس« 10/28 الحالي، بأنها من وراء حالة »عدم الاستقرار« الذي يعيشه لبنان.. المنقسم إلي فريقين، ما بين الداعين إلي شرق أوسط جديد علي النحو الذي بشرت به وزيرة الخارجية الأمريكية إبان الحرب الإسرائيلية علي المقاومة اللبنانية و»السورية« صيف 2006، وبين الساعين لتشييد بنيان شرق أوسط جديد.. لكن علي غير ما تدعو إليه واشنطن.. الراغبة في أن تكون لإسرائيل اليد العليا علي مصائره، كوكيل إقليمي لاستراتيجيتها.. ولو علي حساب القوي الأخري في المنطقة.
 
إلي ذلك تقاوم سوريا من موقعها في عين عاصفة المحور الأمريكي ـ الإسرائيلي.. للابقاء علي حيوية دورها، خصوصاً بالنسبة للملفات المتصلة بتخومها المباشرة، العراقية واللبنانية والفلسطينية، التي لا تزال مسرحاً للعمليات العسكرية والدبلوماسية في السبع سنوات العجاف الماضية، دون استثناء إعادة الدفء منذ العام الماضي إلي علاقة سوريا مع السعودية، إلا أن علاقتها مع مصر، التي قد تمثل مربط الفرس العربي.. لجهة الانتصار من عدمه لأي من المشروعين المتصلين بالشرق الأوسط الجديد، فإنها مازالت تثير قلق المراقبين إزاء ما آلت إليه هذه العلاقة من اختلاف في الرؤي السياسية بينهما.. وما لذلك من التأثير السلبي علي مجمل العمل العربي المشترك وآفاقه المعطلة منذ نهاية السبعينيات، حين افترقت السبل بين الشريكين الاستراتيجيين.. لصالح خصومهما التاريخيين.
 
إزاء ما سبق من سياق، فإن مصر وسوريا، كل لأسبابها، قد نزعتا.. بعدم توازي الخطوات الدبلوماسية بينهما، عن العالم العربي.. ركيزته الأساسية للتقدم، وليصبح الوضع المحيط بهما ـ من ثم ـ هشاً، الأمر الذي يسلمهما بالتالي إلي وضعية الانتظار إلي حين تحويل هذا الوضع العربي الهش وتغييره، أو أن يصبحا كما حولهما، في حالة هشاشة مماثلة، في ذات الوقت الذي يلقي كل من الطرفين بمسئولية تردي العلاقات علي الطرف الآخر، فيما تتدخل قوي إقليمية ودولية للعمل علي توسيع شقة التباعد بينهما.. لإلحاق المزيد من الأضرار الذي يعوق مسيرتهما الداخلية.. بنفس القدر الذي يثير لديهما القلق من الأوضاع والتحديات المحيطة بهما.. المهددة بتفتيت كل من العراق إلي فلسطين ومن لبنان إلي السودان.. إلخ، ربما علي غرار خريطة التقسيم السياسي التي نشرتها »دورية للقوات المسلحة الأمريكية« يونيو 2006، لضابط المخابرات الأمريكية السابق »رالف بيترز«، الذي ينسب إليه أنه صاحب مصطلح »التدمير الخلاق« »Creative Destruction « في الشرق الأوسط »قوس الأزمات«، الأمر الذي لم تكذبه الخارجية الأمريكية تماماً، إنما التزمت بتعهد إحداث تغييرات كبري في »قوس الأزمات«، علي أن تأتي هذه الدعوة للتغيير بطلب من داخل الشرق الأوسط.
 
إلي ذلك، فإن من غير الطبيعي الالتفات عن هذا الخطر الداهم، شبه الموثق.. وما تجري أحداثه بالفعل علي أرض الواقع، لينشغل العرب اللاهون عن مصائر بلدانهم.. بالحديث والنقد لأدوار إيرانية أو تركية لملء الفراغ القائم في الساحة العربية، ولتتخذها جريدة الأهرام علي سبيل المثال في 29 أكتوبر الحالي، كذريعة غير حقيقية أو مبالغ فيها علي أقل تقدير.. لتبرير تقاعس مصر عن توجيه دعوة طلبها الرئيس السوري لزيارتها، وذلك في الوقت الذي يتوافد إلي القاهرة كبارالمسئولين الإسرائيليين، ومن دون أي إشارة لتقصير هذا الطرف أو ذاك في نظرته للعلاقات العربية ـ العربية.. التي باتت أكثر صعوبة في تناولها عن العلاقة مع الدول غير العربيات في المنطقة، التي تقوم من جانبها علي تبني القضايا العربية.. في دعم المقاومة.. والحيلولة دون تحول بلدان عربية بعينها إلي مجرد كانتونات طائفية.
 
لقد خاضت كل من مصر وسوريا العديد من المعارك السياسية والعسكرية الصعبة »معاً«، ولكن الفترات التي بين المعارك، هي الأكثر صعوبة.. ومدعاة للقلق لما قد يفاجئهما به الخصم المنتظر عند نهاية النفق، حين يسهل التعامل معهما فرادي، فهل يتعظ مسئولا الشريكين الاستراتيجيين قبل أن يفوت الأوان؟.
 
> عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومي في السبعينيات، ووكيل الوزارة
 
للمجلس الأعلي للثقافة سابقا.
 

شارك الخبر مع أصدقائك