أجندة الدولة

شارك الخبر مع أصدقائك

محمد علي خير

لم تعد الدولة المصرية الآن كيانا واحدا بعد أن تعددت أطرافها، بسبب تعدد القوي السياسية اللاعبة علي المسرح.. لذا فإنه يبدو من الخطأ أن نضع كلمة (الدولة) خلف كل فعل سياسي يجري في حياتنا مع كثرة تلك القوي التي يؤثر بعضها تأثيرا مباشرا وأخري ذات تأثير غير مباشر.. فلدينا الكنيسة التي تنتج فعلا دينيا بصبغة سياسية بشكل شبه دائم، ثم رجال الأعمال بعد أن أصبح يجمعهم لوبي للمصالح فباتوا قوة لا يمكن التقليل من تأثيرها.. ثم تأتي علي الأطراف قلة قليلة من الأحزاب وتمارس تأثيرها بمنطق توحد مصالحها مع الحزب الحاكم.. كما أن الإعلام أصبح قوة ضاغطة تمكنه من تحريك الأحداث وأحيانا صناعتها.

ناهيك بطبيعة الحال عن فاعلية القوي الرئيسية التقليدية التي لا تزال تحتفظ بصدارتها للمشهد مثل المؤسسة الأمنية بشقيها وكذا مؤسسة الحكم.. إذا انتهينا مما سبق فسوف تتبقي ملاحظتان رئيسيتان في هذا السياق.. الأولي: أن كل قوي من القوي السابق ذكرها تضم داخلها بعض التفريعات لقوي أصغر مما يولد مصالح أخري للقوي الصغيرة ربما تختلف أحيانا عن أجندة القوي الواحدة.. ثانيا: تعدد هذه القوي لم يكن بهذا الظهور في خمسينيات وستينيات وربما سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت الدولة كتلة واحدة متماسكة.. لذا كان طبيعيا أن تنسب الدولة لاسم الحاكم.. فظهر تعبير (مصر عبدالناصر) و(مصر السادات).. لكن بسبب التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتنوع وسائل التكنولوجيا والاتصال الحديثة.. ظهرت أكثر من قوي علي المسرح.

اذا اتفقنا علي ما سبق فيمكننا أن نعدد بعض الأمثلة التي تؤكد المعني السابق وهو عدم التسليم بمنطق التفكير السائد الذي ينسب كل فعل سياسي يجري حولنا الي الدولة ككيان كبير مستقل..وإليك بعض الأمثلة:

1- قضية جريدة الدستور: ظني أنه من الخطأ التسليم منذ اللحظة الأولي بأن الدولة هي الفاعل الوحيد أو الرئيسي في تلك الأزمة.. لأننا في هذه الحالة سنطالب بتعريف معني الدولة.. فهل هي الرئيس ومؤسسة الرئاسة أم هي الحزب الحاكم أم رجال الأعمال داخله وتحديدا جناح أمانة السياسات؟.. وهؤلاء ربما رأوا أن استمرار صحيفة الدستور بسياستها التحريرية أصبح يهدد مصالحهم (وليس مصالح الدولة)، فكان الايعاز لرئيس حزب الوفد للإنابة عنهم في التنفيذ.

ربما يتصرف مسئول نافذ بالدولة تصرفا معينا لتحقيق مصلحة خاصة له (وليس للدولة) ثم يغلفه في سياق أنه مطلب دولة.. كلامي لا يعني أن الدولة كانت مبسوطة من السياسة التحريرية لصحيفة الدستور لكنه يعني أنه ربما شخص ما أو جناح ما داخل الحكم أو الحزب يسعي لتنفيذ أجندته الخاصة التي تخدم مصالحه الضيقة.. والتي ليست بالتبعية هي أجندة الدولة.. وإذا أردنا أن نكون أكثر تحديدا في قضية الدستور.. فظني أن أشخاصا بأعينهم داخل السلطة وقلة قليلة من رجال الأعمال، قد اجتمعت مصالحهم في تلك اللحظة لتنفيذ خطة تغييب جريدة الدستور من المشهد الإعلامي الآن.. ربما كان بعضهم داخل دائرة الحكم لكنهم لا يمثلون الحكم والحاكم أو سياساته بشكل مباشر وصريح.

2- إسلام كاميليا: قضية فرضت نفسها علي الرأي العام وكادت تؤدي الي فتنة طائفية لا تحمد عقباها رغم أنها مشكلة تضم أطرافا معروفين وهي الكنيسة والإعلام وبعض المثقفين ورجال الدين علي كلا الجانبين.. لكن الدولة هنا ظهرت متأخرة ولم تكن فاعلة وعندما اشتد الخطر تدخلت بقوة كبيرة باعتبار العلاقة بين المسلمين والمسيحيين خطاً أحمر.

3- القنوات الفضائية واغلاق بعضها والسعي الي تخفيف حدة نقد البعض الآخر منها للدولة أو الحكومة.. وهي السمة الغالبة لبرامج الفضائيات وتحديدا التوك شو الليلي.. يمكن الحديث هنا أن بعض أجهزة الدولة قد راعها الحالة اليومية التي تمارسها برامج التوك شو الليلية.. ولأنها تعرف الكثير فانها كانت تعلم أن بعض الصحفيين العاملين في صحيفة يومية خاصة، باتوا يسيطرون سيطرة كاملة علي جميع القنوات الفضائية الخاصة والبرامج الليلية منها.. بل لقد وصلت قوتهم الي أنهم كانوا يستطيعون -اذا اتفقوا فيما بينهم- منع ظهور شخصيات بعينها في تلك الفضائيات.. وكانت لديهم قائمة بيضاء وأخري سوداء للضيوف بما يخدم مصالحهم.. مثلما يفعل تليفزيون الدولة من منع أشخاص بأعينهم من الظهور علي شاشاته.. وبالتالي أصبح هؤلاء الصحفيون الذين يعدون البرامج بمثابة لوبي جديد بات يشكل وعي الرأي العام المصري كل ليلة في مجتمع لا يقرأ ويستقي معلوماته من البرامج.

أصبحت تلك الصحيفة الخاصة وصحفيوها وعبر سيطرتهم علي الفضائيات يشكلون تهديداً مباشرا -في بعض الأحيان- ضد مصالح الدولة نفسها.. خاصة أنهم بدأوا ينفذون أجندتهم الخاصة التي تخدم مصالحهم بشكل مباشر.. فمثلا كانت تلك البرامج الخاصة تعقد محاكمات فضائيات ليلية لمتهمين لا تزال قضاياهم منظورة أمام المحاكم.. كما أنهم كانوا-ولا يزالون- يعيدون تفسير القوانين التي تصدرها الحكومة لتنظيم سوق سلعة ما بما يهاجم القرار الحكومي، لأنه يتعارض مع بعض مصالح رجال الأعمال الذين تلتقي مصالحهم مع هؤلاء والأمثلة في هذا السياق متعددة ومخزية.. (عندما ظهرت قضية قرية آمون وتدخل الرئيس فيها وأصدر أوامره المباشرة..كانت المفارقة أن جميع القنوات الفضائية والبرامج الليلية والصحف الخاصة، لم تتناول تلك القضية طوال ثلاث ليال متصلة ثم تناولتها بدرجة اهتمام أقل) لأن مصالح تلك القنوات وأصحابها والصحيفة الخاصة وفرق الإعداد توحدت مصالحهم مع الوزراء الذين وردت أسماؤهم في تلك القضية.

في هذا المناخ العشوائي ساد مفهوم أن (أي حد يقدر يعمل أي حاجة في أي وقت دون مساءلة).. وعندما تدخلت الدولة هنا فإن جانباً من تحركها كان وراءه الدفاع عن مصالحها العليا.. فلا يمكن لأي دولة أن تقبل مبدأ ترك تشكيل الوعي العام للمواطنين (خاصة إذا كانت الأمية الهجائية والقفافية منتشرة بينهم) بين أيدي فئة لها أجندتها الخاصة.. كما أن أحد أجنحة الدولة -تحديدا الحزب الوطني وأمانة السياسات رأي في قرار الدولة أن تنظيم تلك القنوات، سوف يساعدها في تمرير أحداث الانتخابات البرلمانية القادمة بسهولة ودون ازعاج.

ظني أن هذا الالتباس الحاصل في فهم سياق الأحداث يعود الي طبيعة المناخ العام السائد الذي تغلب عليه العشوائية في جميع جوانبه، كما أن الدولة ستحتاج وقتا طويلا كي تعود الي ممارسة دورها الرئيسي لتنظيم أمور البلاد والعباد، بعد أن رفعت يدها كاملة عن الفعل وتركت الجميع يجرون داخل الملعب وكل من يرد أن يفعل ما يعن له فإنه يفعله.

شارك الخبر مع أصدقائك