رجائى عطية

أبو نواس.. الحسن بن هانئ (7)

شارك الخبر مع أصدقائك

وكثيرًا ما تبدو شهوة الوجاهة والظهور فى ولع أبى نواس بشرب الخمر كائنًا ما كان نوعها. فهى فضلاً عما تخيله لشاربها من العظمة والسلطان، ليست مما ترتقى به كفاءة كل شاب وطالب.
ويرى الأستاذ العقاد أن الخمر أداة صالحة للتدليل الذى يكمن فى أعماق «النرجسية»، وأن حب أبى نواس لها هو حب للتدليل الذى لا تستغنى عنه طبيعة الافتتان بالذات أو توثين الذات، ومن هذا التدليل الترنم بالتاج والمُلك والامتياز بمقام للشرب لا يكافئه كل مقام، ولم يكن ذلك خبيئة مخفية عميقة فى نفس الشاعر «النرجسى»، بل كان على طرف لسانه، وأحيانًا لا يتلفت إلى مغزى ما يقول، فيما استشهد الاستاذ العقاد ببعض أبياته الدالة على ذلك.
والتدليل ـ فيما يرى ـ هو قوام توثين النفس والشعور بهذا التوثين من الآخرين، وغاية الهوى هنا ــ فى الطفل المدلل ــ أنه يكلف أهله بما لا يوجد، ويأبى ما هو موجود وميسور، وتلك ـ فيما يرى ـ هى الإباحية النرجسية التى تقترن بتوثين النفس وتدليها، وأبو نواس هو النموذج لها فى الأدب العربى.
* * *
أما «الارتداد» وهو اللازمة الثالثة من لوازم النرجسية، فهو الذى يعرف أحيانًا باسم «الصفات الثانوية»، وليس من طبيعته أن يظهر قبل المراهقة، وربما تأخر إلى ما بعد المراهقة بسنوات إلى أن توجه النوازع الجنسية التى لا تأتى الاستجابة لها حين يكتفى النرجسى بتوثين نفسه.
وتسمية الارتداد بالصفات الثانوية، مرجعها إلى أنه لا يبلغ مبلغ التشخيص والعرض فى ملازمة النرجسية، ولأنه يأتى ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ مرجوعًا فى شخص واحد، ويأتى له على ثلاث درجات..
«أولاها»: توثين النفس.
و«ثانيتها»: خلع الشخصية على إنسان آخر.
و«ثالثها» أن تعود الشخصية النرجسية، فتستعير الملامح المختلفة، وتتلبس بها وتحسبها من ملامحها وصفاتها، وبخاصة إذا رأت أنها ناقصة فيها:
«ولا حاجة إلى استقصاء شواهد «الارتداد» فى شعر أبى نواس، فكل ما وصف به أكفاء المنادمة والظرف وجعلهم من أقرانه لا يخلو من هذا الارتداد، وكان قريبًا فى تداعى الخواطر ـ أو تداعى الهواجس أن يرى أنه يشبه «حُسنًا» اسمًا ورسمًا إذ كان مفتونًا بطول قامتها وهو غير طويل:
طويلة خوط المتن عند قياسها
ولى بالطويلات المتون ولوع
«ويخطر على البال أن أكثر الصفات المرتدة إنما كانت من صفات المخلوع محمد الأمين (ابن هارون)، ومن حبه إياه أنه كان صديق الخمر، وأنه كان ينهاه عنها لينفى عن سمعته قالة السوء.
«بل قيل ـ وما هو بالخاطر البعيد ـ إن شغفه بالأمين إنما كان شغف عاشق لا شغف تابع بمتبوع، فما كان أبو نواس بالذى يبقى على ولائه بعد خلع الخليفة تشيعًا لرأى أو تعصبًا لمذهب، ويقول طائفة من الرواة: إن أبيات الشاعر النونية التى يقول منها:
أصــبحت صيًا ولا أقول بمن
مــن خـــوف مــن لا يخـــاف من أحــد
إن أنــا فكــرت فى هــواى لــه
أحسست رأسى قد طـــار عــن جسدى
«إنما نظمها فى الأمين، وأنه كان يشرب معه يومًا، فنشط الأمين للسباحة فلبس ثياب ملاح، ولبس غلامه كوثر مثل لباسه، ووقعا فى البركة، ونظر أبو نواس إلى بدن الأمين فرأى ما لم ير مثله، فلما كان من غد جاء الحسين بن المنذر مسلمًا عليه، قال الحسين: فسألته عن خبره مع محمد فقال: ويلك ! رأيت الفتنة، وأنشد هذا الشعر فقلت له: ويحك اتق الله فى رأيك، فإنه إن بلغه قتلك.
ولعل أبو نواس لم يحفظ للأمين من ذكراه ما هو أدنى إلى طبعه من معاقرته الخمر ومن مجونه وملاحقه.
أأرفضها والله لم يرفض اسمها
وهذا أمير المؤمنين صديقها
«فإذا كانت لازمة «الارتداد النرجسى» بحاجة إلى مورد يستعير منه الشاعر ما ليس عنده من الزينة الشخصية فليس أحرى من الأمين أن يكون هذا المورد الرفيع، ما تقدم من ولع الشاعر بترديد الزهو بسمات الملوك وزينة التاج والإكليل».
* * *
وخلاصة القول فى نرجسية أبى نواس، فيما يقول الأستاذ العقاد، أنه كان من الشواذ فى تكوينه الجنسى ودوافعه النفسية، ولكن شذوذه غير الشذوذ الذى اشتهر به، وهو إيثاره الذكران على الإناث، ولا بد ـ فيما يرى ـ من التفرقة بين الشذوذين، لأن النرجسية تفسر أطوار أبى نواس جميعا، والشذوذ الآخر لا يفسرها.
والنرجسية تفسر الولع بالمجاهرة الإباحية، ولكن الشذوذ الآخر لا يفسرها.
«وقد تكون التفرقة هامة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ للعلاج النفسانى عدا هذا الاعتبار من جانب النقد والتاريخ، وستكون هامة للعلاج النفسانى لا محالة يوم تنكشف خصائص الغدد ومفرزاتها وعلاقتها بالأطوار الجنسية والنفسية، فقد يصبح تعديل هذه المفرزات بالعلاج الجسدى ميسورا، كما يصبح ضروريًا لتقويم الأبدان والأفكار».
وقد أسلف الأستاذ العقاد أن أوسكار وايلد الشاعر المعاصر، كبير الشبه بأبى نواس فى لوازم النرجسية، وهما مختلفان بعدها فى كل شىء: فى الزمن والموطن واللغة والدين والطبقة الاجتماعية، ولكنهما على هذا يتماثلان فى كل لازمة من لوازم النرجسية، وقد يختلفان فيكون اختلافهما أدل على وحدة المزاج.
«ففى أوسكار وايلد نلقى الملامح الأنثوية، وخصل الشعر المرسلة والصوت الذى تمازجه الرخامة.
«وفيه نلقى حب الظهور ولفت الأنظار وشغل الأذهان، ولم تكن مصطلحات التحليل النفسانى قد شاعت فى أيامه، فلم يصفوه بحب العرض Exhibitionism كما كانوا يصفونه به لو عاش بعد زمنه بخمسين سنة، ولكنهم أطلقوا عليه اصطلاح العرف الذى يقابل اصطلاح التحليل النفسانى فى تمام المقابلة، وقالوا: إنه نموذج حى للزهو المتبرج Dandyism، ومنه جاءت كل بلواه.
«وليس الزهو المتبرج كل ما هنا لك، بل هو الزهو الذى يصدم ويغضب كما قال صديقه أندريه جيد الأديب الفرنسى المعروف فى ذكرياته عنه».
«وكانت لذته الكبرى أن يتحدى الرأى العام ويثيره، ويتغنى بفضائل الرذيلة أو الخطيئة، ويكتب وهو يدافع عن الشاعر الفرنسى بودليرـ زميله فى النرجسية: «إن ما يسمى الخطيئة عنصر جوهرى من عناصر التقدم تأسن الدنيا بغربه، أو نشيخ».
«أما الخطيئة العظمى عنده فهى البلادة، وعلامات الحضارة عنده اثنتان: الثقافة والفساد».
«وكتب ونظم وتحدث وعمل ليبشر بمذهب واحد يتكرر فى صيغ مختلفة، وهو أن الفن والعلم منعزلان، وينبغى أن ينعزلا فى مقاييس الأخلاق.
«ومما يستوقف النظر غرام أوسكار وايلد بقصة نرجس فى الأساطير الإغريقية، قبل أن يشتق منها النفسانيون اصطلاحهم على عادات تلك الآفة الجنسية أو النفسية».
وأخيرًا، فيما يقول الأستاذ العقاد ـ هذه هى النسخة العصرية من أبى نواس، وتمامها فى أوسكار وايلد كان يتصل بالجنسين، فكان متزوجا وله ولدان !
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »