«أبــــــونا »

شارك الخبر مع أصدقائك

أحسب أن الجيل الذى لم يكد قد بلغ الحلُم بعد مع نهاية أربعينيات القرن الماضى، مسلميه ومسيحييه، لم يعانى مثل أجيال تالية عليه .. من الظاهرة المقيتة المسماه منذ مطلع السبعينيات بـ «التفرقة الطائفية، إذ حمته من الانزلاق إلى هذا المنحدر .. مناخات ظلت سائدة منذ ضمت القيادة الجماعية لحزب الأغلبية، رموزاً سياسية إسلامية وقبطية .. قامت ثورة 1919 على أكتافهما «معا ».. قبل أن تصهرهما منذ مطلع الخمسينيات .. تحديات الاستقلال والعدل الاجتماعى والتصنع، إلى وقوفهم على قلب رجل واحد لرفض الهزيمة التى لم تستثن طائفة دون أخرى فى 1967 ، كما لم تنكص واحدة منهما عن دفع ضريبة النصر فى 1973.

إلى ذلك، وفى غضون تعقيدات حالة اللا حرب واللا سلم التى ألقت بظلالها السياسية والمجتمعية على جميع مناحى الحياة المصرية منذ إيقاف إطلاق النار على جبهة السويس أغسطس 1970 ، فقد توازت معها تغييرات عميقة فى كل من قيادتى المؤسسة الرئاسية، والكنسية، إذ كانتا، كل لأسبابها، تتطلع إلى تأكيد موقعها الجديد واكتساب أنصار ومريدين جدد، إضافة إلى الرغبة فى إشباع نزعتهما الكاريزمية، ولا بأس فى ذلك لو لم تكن على حساب وحدة النسيج الوطنى أو الطائفى الذى لم يكن استهدافه وقتئذ بعيداً عن تدخلات خارجية تعمل على إضعافه كلما كان ذلك ممكننا طوال عقد السبعينيات .. إلى أن حدث الاصطدام المدوى بين الرئاسة والكنيسة فى سبتمبر / أكتوبر 1981 ، فيما تتعالى درجات الاحتقان داخل الأوساط السياسية والدينية بسواء .

ومع أن الموت قد غيب «الرئيس » إلا أنه خلّف قبل رحيله .. حالات من التعصب الدينى على الجانبين، ولو بدرجات متفاوتة، استشرت خلال العقود الثلاثة التالية حتى باتت عصيّة عن معالجة بثورها التى طفحت على وجه الحياة فى مصر، تفرز من حين لآخر ما يعظم الفجوة بين خيوط الوشاح الوطنى الواحد، الأمر الذى لم يغيب عن إسرائيل توظيفه لمزيد من الانقسام الطائفى، الذى «يعجز أى نظام تال للحكم عن معالجته » ، بحسب ما جاء على لسان رئيس المخابرات الإسرائيلية الأسبق .

فى مطلع يناير 2011 ، وقد بلغت الحناجر الحلقوم كما يقولون، إذ بحاجز الخوف لدى المواطنين ينكسر، فى تونس ضد نظام الحكم الاستبدادى، وفى الإسكندرية عقب حادث كنيسة القديسين، الأمر الذى كان بمثابة «بشارة » لقدرة الجماهير على التصدى للنظم الاستبدادية، سواء تحت غطاء التنظيم السياسى الواحد أو باسم الدين، إذ أتاحت ظروف المرحلة الانتقالية بعد ثورة يناير – للأخير – ملء الفراغ السياسى المواكب لها – ولا يزال – فى محاولة للاستحواذ بمفرده – باسم الدين – على مكتسبات الحركة الوطنية المصرية، بأقله، منذ 1919 إلى اليوم .

بعد نحو العام من ثورة يناير غيب الموت رأس الكنيسة المرقسية، من بعد ثلاثين عاماً على رحيل نظيره الرئاسى، اللذين وإن باعدت بينهما الغيرة السياسية وما إلى ذلك، لأسبابهما، التى تركت آثارها على المسيرة الوطنية الواحدة إلى الآن، فمن المؤكد أنهما غابا عن دنيانا، كّل فى توقيته، والوطن أحوج ما يكون إليهما .

فى هذه الظروف الدقيقة .. يجرى تنصيب البابا «تواضروس الثانى » على رأس الكنيسة المصرية، وليواجه «أبونا » كما اعتقدنا نحن جيل الأربعينيات مخاطبة القساوسة من رجال الدين المسيحى، العديد من التحديات .. سواء على المستوى الكنسى أو على مستوى الوطن، وبرغم جسامة المهام الملقاة على عاتقه فى هذا التوقيت العصيب المتصل برواسب تعود إلى عقود خلت، فإن الأمل معقوداً عليه .. بمرجعيته الدينية والعلمية .. ضمن مئات الرهبان الحاصلين على درجات عليا علمية .. ممن وهبوا أنفسهم لخدمة الله .. والعلم، عاكفين وراء أسوار أديرتهم لتحصيل المزيد من العلوم .. وعلى إجراء التجارب داخل مختبراتهم المعملية، حتى أنه لو قدر لمصر – كما يقال – أن تشهد ثورة علمية، فسوف تكون على أيدى، وبمشاركة هؤلاء العاكفين على خدمة الله والعلم .. ممن فى زمرتهم – وعلى رأسهم – «أبونا » تواضروس الثانى .

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »