رجائى عطية

آفة العناد‮.. ‬وطريق الحق‮! ‬(3-3)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :

فالمقصود المبدأي الأول من تعريفنا بالآخرة بمآلها ووضعها بطريقة ما  بارزة أمام أعيننا وفي بؤرة البؤرة من الإيمان ـ هو تنبيه وعينا وتذكيره بأنه مسئول محاسب حتما عن سلوكه في هذه الدنيا أيا كان الآدمي وأيا كانت طبقته ومكانه وزمانه..لأن هذه المسئولية وشعور الآدميين جميعا بحملها أمران لا زمان لبقاء الجنس البشري وعدم انقراضه ومعه محو كامل ما حققه مما هو ثمين جداً.
 
فحتمية موت الأفراد أصل لبقاء الجنس واستمرار وجوده.. وهو أصل كوني.. وهذا الأصل يسقط ناموسه إذا لم تنجح الحياة  في الإنتقال المتعاقب بين الأفراد من جيل إلي جيل.. لأن هذا الانتقال غير المنقطع يطّرد فيه تسّلم الحياة من فرد إلي فرد فيطّرد وجود المجاميع والجماعات والأمم والأقوام.. وهذا هو بقاء الجنس.
 
وزوال الجنس فقد كوني يبدو فادحًا ولذلك تتجمع الأسباب والمؤثرات للحيلولة دون وقوعه.. لأنه إذا وقع عسير الاستعادة كما كان إن لم يكن ممتنعا إعادته في الكون بنفس تركيبه واستعداداته.. فبين استمرار وجود الإنسان وبين الكون العظيم علاقات تبادلية  يجب علينا الإلتفات إلي انتظامها واحترامها والمحافظة عليها، ويجب لدوام ذلك الإلتفات ـ دوام شعور الآدمي بمسئوليته الفردية نحو أقرانه ونحو الجماعة ونحو نفسه.. وكلما تنبه هذا الشعور وقوي، زاد نمو الآدمي ورقي جماعاته وزاد أمنا علي فرص بقاء جنسه.. لأنه إذا تقلصت هذه الفرص نتيجة عدم المبالاة وعدم المسئولية ـ انحدر الآدميون إلي الغفلة والتدهور والضمور والانقراض فتصبح الحياة المشتركة شديدة الصعوبة علي المشتركين فيها ذكوراً وإناثاً، ويحمل كل آدمي علي الابتعاد والانفراد.. وهو ما يؤدي إلي الذبول والندرة والزوال !!
 
والآفة التي تعطل شعورنا اللازم بالمسئولية هي تأخيرنا لما يجب تقديمه وتقديم ما يجب تأخيره.. فنحن صغاراً وكباراً يقدم أغلبنا البادرة وعاجل الخاطر ويرحب بالاندفاع بالتأييد والتنفيذ ويسرع في القبول والرفض وفي الرضا والغضب وفي الانحياز والشهوة والأنانية والرعونة والتطير والخوف علي الأناة والتردي والتمهل في اتخاذ الجانب أو القرار ومقاومة الرعونة والشهوة والأنانية والافتعال.. يقدم الآدمي ويؤثر ذلك علي الحرص علي العدل وتحري الصواب والحق والإنصاف!.. إن ألسنتنا تردد اسم الله في كل لحظة راحة بعد تعب أو غضب عقب إثارة أو إحساس بحلو أو لذيذ أو جميل.. و لكـن يبدو أن ذلك لمجرد الإعلان عن الشعور الذاتي المعين الشخصي الحاصل وقتئذ ـ  لا لأننا استحضرنا الخالق جل شأنه في وعينا وأعلنا بيننا وبين أنفسنا إقرارنا ـ بتذكره وأفضاله.. ولو فعلنا ذلك لتغير كل شيء في سلوكنا، ولكن لأن ذلك الاسم صار بالاعتياد لفظة تعجب لمجرد التعجب نكرره دون شعور بمعناه لدي شعورنا بأي من تلك المشاعر الشخصية، فإن الاسم صار اصطلاحًا من اصطلاحات لغتنا الجارية المألوفة التي تسمع من كل آدمي، ولم يعد في ترديده  وتكراره باللسان تذكير ما لوجود رب أو دين  أو ضمير مسئول قريبًا كان ذلك التذكير أو بعيدًا. بل بات مجرد صوت ببغائي لشعور عارض تعودنا عليه تبعًا لآلية الاعتياد.. لأننا تعودنا أن نستخدم اللغة لخدمة مشاعرنا الشخصية فقط  فصار هذا الاستعمال مجرد رديف  لتنفسنا بارتياح أو غضب أو سخط!.. هذا الاعتياد يكون له مقر دائم في وعينا خاليا من اليقظة والنشاط عرضة فقط إما لأداء ذلك الاستعمال الآلي الذي لا يكاد يحس، وإما لانفجار تعصبنا غير العاقل لحماية عنصر من عناصر وعينا درجنا علي وجوده فينا كما كان موجوداً في آبائنا وآباء آبائنا.. وتعصبنا هذا ليس إلاّ طاقة عنيفة عاطفية غير واعية ـ طبعها الحماية ورد العقل وليس المزيد من التفهم والتفطن والترقي والتغلب علي ما يصادف حياة الآدمي من المعوقات والعقبات.. وتلك الحماية وما معها من رد الفعل ـ قليلة الجدوي وحدها في الإبقاء علي جنسها لأنها وحدها تقودنا إلي الانكماش والذبول اللذين يصحب استمرارهم عجز البشر عن متابعة تغييرات البيئة الدائمة التغير تبعا لنواميس الكون.. علما بأن بقاء جنسنا رهن باستمرار مقدرتنا ونجاحنا في تلك المواجهة المطّردة بفضل استمرار الزيادة في العناصر الفطنة النشطة في الجماعات البشرية في كل عصر. إذ ندرة تلك العناصر نذير بالغ السوء والخطورة علي الجنس كله يجب علي كل إنسان أن يلتفت إلي توقيه بكل ما في طاقته.. ذلك أن واجب المحافظة علي استمرار بقاء الجنس ـ واجب يحمل مسئوليته كل فرد منا شاء أو لم يشأ. لأنه لا بقاء لأحد في أي مكان وزمان إن باد الجنـس وانقرض.
 
ولذلك كان ظهور معالم التحضر البشري واختفاؤها ـ علي الأرض إلي يومنا هذا محليا دائمًا.. إن اختفي التقدم في جماعة ظهر في أخري لتبقي راية الجنس مرفوعة في مكان ما حافظة لآماله يتجه نحوها فعلا أو قصداً أو شوقًا أو خيالاً كل آدمي أيا كان موضعه وموقعه وحظه وإمكاناته. وإلي يومنا هذا لم يطبق اليأس الشامل علي الأرض كلها ولم تدخل دنيانا بحذافيرها في أعماقه ولم تطو راياتها ومغامراتها وأحلامها.. بل تمد الآن أعناقها بجسارة إلي الكون العظيم تحاول أن تأخذ منه المزيد ومزيد المزيد مما لا نظير له في الأرض التي لم تعد واسعة كما كان الناس يعتقدون.
 
ولم تكسر شوكة جنسنا مصائب الحرب  العالمية الأولي ولا كوارث الحرب العالمية الثانية وفواجعها ولا انهيار القمم والعمالقة والإمبراطوريات التي ظنت لسنين عديدة أنها تقاسمت فيما بينها هذه الأرض بمن فوقها وما تحتها.. مازال رصيد الجنس البشري من الحيوية والعزيمة والإرادة الغالبة المتغلبة ـ هائلا برغم كثرة  ما أضاعه وبدده في الخيالات والحماقات والعداوات.
 
مما لو كان قد احتفظ به وصانه لكان حال الآدميين جميعا بعيدهم وقريبهم أفضل وآمن مما هم عليه الآن!.. ثم إن بدايات الأحياء بدايات من خاص إلي أعم ثم إلي عـام جنـس أو نوع أو فصيل تنتمي إليه الأفراد بالغريزة أو ما يشبهها.. تعارف هؤلاء الأفراد أو لم يتعارفوا..يضبطهم ذلك العام بخصائصه السائدة  المشتركة »في أفراده« المادية منها وغير المادية!
 
ويبدو أن عقائد ومذاهب البشر تسير علي ذات النمط ببدايات خاصة محدودة العدد تمتد إلي دوائر أكثر اتساعا ثم تنتشر بين حشود وجموع وشعوب وأمم.. كل اتساع وانتشار يفرض بسرعة ملحوظة لوازمه علي العقيدة والمذهب ويفرض كثيرآً من أشواقه الماضية ومشاربه وأعرافه وعاداته التي ألفها من يحتويهم من الآدميين، ويأخذ خط سيره تباعًا بين هاتين المرحلتين دون توقف.. لأنه بضرورة النمو يفقد أصالته الأولي وخصوصيته غير المألوفة ونضارتها التي هي علة الإلتفات الأولي إليهما.. فمن المحال إعادة العقيدة القديمة أو المذهب القديم إلي النضارة الأولي لأنها فارقت إلي غير رجعة ما كانت عليه في أول الأمر، ولأن العقيدة أو المذهب قد نمت وتطورت بالحلول المطّرد عبر الأزمنة والأمكنة للكثرة الكاثرة محل القلة التي سلفت وانتهت تقريبا بمعظم ما كان معها.. وهذا فيما يبدو أسلوب كوني مطّرد في سائر الأحياء في جميع صور النمو ومراحله من خلال الزمان والمكان..وحسبما عرفناه من دنيانا يستحيل أن يدخل فيها أي حي من الأحياء إلاّ ليحيا حياة آتية في زمن مستقبل ومن المحال أن يجييء فيها الآن ليحيا في الماضي حياة مضت وانتهت!!
 
وتعلقنا نحن البشر بماضينا وماضي الآخرين ـ جاءنا نتيجة تركيب المجتمع البشري.. خاصة اعتماده الأساسي علي الأسر التي تعول علي القرابات وتعيش عليها وعلي ما يسمعه الصغار من الكبار الذين كانوا صغارا وشاهدوا أو سمعوا كبارا أكبر منهم ثم عاصروا أجيالاً أحدث من جيلهم.. وبهذا ومثله يختلط دائما في ذاكرة كل آدمي ماض عاشه من سبقوه أو عاش هو بعضه بحاضر يشاهده أو يسمع به ويترابط الحاضر بالماضي تبعا لشدة دواعي ذلك الارتباط ويحصل الخلط والمزج دون أن يفطن إليه الوعي.. فتوجد لدي كل آدمي صور عامة في ذاكرته معروضة علي وعيه.. هذه الصور تعرض حياته هو مذ شعر بها وضمنها حيوات أفراد أسرته وحيوات آخرين في بيئته والجماعة التي ينتمي إليها.. كما تعرض هذه الصور ما كان وما يكون من الأقوام الذين سمع الآدمي بهم أو قرأ عنهم أو قابلهم فتهيأت له من ذلك المزج والخلط حياة غنية مزدحمة يحبها أو يكرهها ويندمج فيها أو يتجنبها.. ولا يميز وعيه وعقله تمييزا وقتيا بين تلك العناصر التي حملتها الذاكرة عن الماضين والحياة الماضية والعناصر الحاضرة التي هو صاحبها أو شاهدها أو علم بها بكيفية أو بأخري.. وهذه هي التي تزوده في الأغلب الأعم بزاده من المعلومات التي يمكن أن تستخدم في غده صحيحة كانت أو غير صحيحة!
 
هذه هي حياة كل آدمي من لحظة أن يوجد إلي لحظة أن يموت.. حياة غارقة في ذلك المزج والخلط اللذين لا ينتهيان، فيها يستعمل الحي ماضيا جانبا منه له وأغلبه لآخرين لا حصر لهم.. وقد يعرف بالاسم هذا أو ذاك إلا القلة منهم ويجهل جماعتهم جملة ـ ودون أن يشعر بأنه هو نفسه يعيش في ذاكرته وعاداته ومصدقاته وعقائده بقايا خالية جمة اكتسبت قوة ومناعة بالاعتياد وطول التسليم غير معروفة المصدر والتاريخ ولا ما هو حظها من الفائدة والنفع له ولا مبلغ ما وراءها من الصدق والصواب والسداد، وهذا الخليط هو مصدر التصلب والعناد!
 
ويبدو أن المزج والخلط باقيان لأنهما قد يكونان من فطرة الإنسان، ولكن المرجو أن يخرج الإنسان من عناده الذي يحول بينه وبين الاهتداء إلي الحق والصواب، حينئذ سوف يفطن معظم البشر إلي وجود وواقع هذا كله البالغ التأثير في سلوكنا وعقائدنا ومذاهبنا ورؤيتنا لحاضرنا واستشراف مستقبلنا!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »