رجائى عطية

آفة العناد‮.. ‬وطريق الحق‮ ‬(3-1)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :

إقترن العناد ولا يزال، بكل سلبية تبعد الآدمي عن حسن وصواب وموضوعية النظر، وتبلغ النفس ذروة انحصارها في الذات حينما تستسلم استسلاما كليا للعناد.. لأنه ليس إلا مواقف تنحاز فيها ميولنا بشدة إلي تمسك الذات وإصرارها علي موقفها ووقف تفكيرها تماما في احتمالات العدول عن تمسكها بما تتمسك به وتتجمد عليه. وهذه المواقف كثيرة جدًا في حياة كل منا طوال عمره.. وهي تختلف من حيث الأهمية بين الخطير وبين التافه، ومن حيث الشدة بين الجسيم الشديد وبين الضعيف الضئيل. ذلك لأننا في أغلب مساعينا وخلال يقظتنا لا نكف عن محاباة ميولنا قليلا أو كثيرا برغم ملاحظتنا لمواقف غيرنا وردود أفعاله.. وقد نعدل أو نؤجل تنفيذ ما نميل إليه حسابا للحفاظ علي علاقتنا بالغير، ولكننا في العناد نعلن موقفنا المتصلب في هذا الأمر أو ذاك.. لا نبالي بإعلانه لمن حولنا كما لا نبالي بأن يصل خبره إلي من قصدنا توجيهه إليه إعلانا منا أننا لا نهتم برضاه أو سخطه في لحظات العناد تلك ـ ثم تهدأ ثائرة العناد فينا فنحاول جبر ما اختل.. وهكذا يدور دولاب الحياة بين الأهل والجيران والزملاء والرؤساء والمرءوسين ـ في كل مكان وزمان.
 
ولكنّ هناك عنادًا آخر أشد عنفا وخطرا وضررا من ذلك الذي ذكرناه ـ هو تعصب الجماعات والطوائف والفرق بعضها ضد بعض.. وثمرته الحتمية إمتلاء أفراد كل منها بالكراهية والحقد والعداوة لغيرها من أفراد الجماعات والطوائف والفرق الأخري ـ برغم ضآلة أو انعدام العلاقات الشخصية بين أولئك الأفراد جميعا.. وذلك نتيجة توالي وتواتر التلقين والتحريض للأجيال المتعاقبة في مختلف المستويات والأعمار.
 
ونحن حين نفكر ننسي أن عقلنا المفكر أي وعينا وفهمنا ـ ليـس إلاّ جزءًا منا فقط.. يصحب في نفس الوقت تنفسنا ودورة دمائنا ويقظتنا ونومنا وجهازنا الهضمي والعصبي والزمان والمكان الذي نكون فيهما. وهذه كلها تستخدم وعينا بصورة أو بأخري في أداء وظائف كل منها التي لا تتوقف توقفا نهائيا إلاّ بالموت.
 
فعقلنا مهما علا مجرد صوت من جوقة أصوات عديدة عالية مثله أو أعلي تتصايح داخلنا.. وإحساسنا بعقلنا إحساس جزئي دائما يشاركه الإحساس بهذا العنصر أو ذاك من عناصر وجودنا الأخري التي لا حياة لكل منا إلاّ بها مجتمعة.
 
فمدي نطاق العقل البشري في الفرد أو الجماعات محدود خلقه بملازمة تلك الصحبة الكثيفة من العناصر والوظائف اللازمة لحياتنا بالحالة التي عرفناها ونعرفها بمزيد من الدقة حاليا.. وهذه المحدودية الملازمة للحياة لا ولن تنتهي إلاّ بنهاية حياتنا في الدنيا.. وهي لم تسمح ولن تسمح لأحد من البشر بتعقل ما قبلها أو ما بعدها تعقلا تامًا أو نهائيا!
 
لكن هذه المحدودية تسمح فقط لوعينا بالتسليم والإيمان بوضع كان أو وضع سيكون لا دخل فيه للنشاط العقلي المعتاد.. إذ لا مدخل ولا عمل في ذلك الإيمان والإذعان إلاّ أقل القليل.. وهو إذعان يشبه إذعان كل منا بأنه حي أو بأنه هو هو ولم يكن له أي وجود قابل للمعرفة قبل الحمل فيه، ولن يعود له وجود بعد الموت إلاّ عند البعث.. كما يشبه إذعان كل منا بسابقة إيجاد هذه الأرض وما يبدو لنا فوقها من سماء وما عليها من أناسي وأحياء وجمادات وإيجاد ذلك الكون الهائل الذي جاء إليه كل منا فجأة ويفارقه فجأة ـ برغم إحساسنا طول الماضي وسعة الحاضر وامتداد المستقبل.
 
كل أولئك كان وما زال صعبًا علي العقل أن يتعقله وأن يفهمه فهمًا كاملاً.. وسيبقي ذلك عسيرًا عليه ما دام البشر ذوي أجساد وأحجام وأعمار.
 
وهذا ساتر ضخم جدًا بين رؤية العقل التحليلية وإمكاناته المليئة بالفروض والاحتمالات والنظريات وبين الإيمان والتسليم بما خلف ذلك الستار الضخم.. وهو ما لا حيلة لعقل الآدمي في رؤيته رؤية تامة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق أداة أو آلة أو جهاز.
 
والاستدلال علي صحة المقدمات بنتائجها الملحوظة لا يكون قاطعًا كليا إلاّ في حالة مراقبة العقل وإحاطته التامة بكل واقع تلك المقدمات ثم ملاحظته الدقيقة الصحيحة للنتائج وربطنا عقليا هذه بتلك ـ. أما غياب عامل آخر متصور للناتج عن وعينا وعقلنا باستمرار وبلا تخلف ملاحظ من جانبنا واستبعادنا لوجوده كسبب لقيامه هو ـ فتلك خطوة بشرية اعتادتها عقولنا في معاملاتنا بعضنا مع بعض في وقائع دنيانا.. ولذا احتجنا للإذعان للغيب الذي يتجاوز حتما أبعاد دنيا الآدمي ـ عوضا عن الاحتكام إلي نشاطات وعينا وعقلنا وفهمنا.. فجعلنا الغيب الذي لم يبد لنا ما كذبه أو يكذبه ـ في حكم البديهي الذي لم نتعود رؤية خلافه نحن ولا من قبلنا ولا من سيأتي من بعدنا.
 
وما يبدو بديهيا بالنسبة للبشر لم يخرج عن كونه كذلك بالنسبة لهم كنشاط آدمي من أحد وظائف حياة الإنسان.. فمقاييسنا البشرية صحيحة صحة نسبية قابلة دائما للتصحيح والتعديل وإعادة النظر والمراجعة.. لأنها دائما مقاييس بالنسبة للنظام المعمول فيه بهذه المقاييس التي لا يمكن أن تحيل إحالة معتبرة إلاّ عليه هو بذاته.. فلا يمكن أن نحاسب الكون الهائل ببديهياتنا البشرية التي كثيرًا ما لا يشاركنا فيها الكون!
 
وعقلنا يعرف منذ القدم غير المحدود بمعني الذي لا يعرف آخره أو نهايته في الكبر أو الصغر أو الإمتداد أو الحجم أو الطول أو القصر أو القوة أو الضعف أو القدم أو الجدة أو الثقل أو الخفة أي النهايات الممكنة في تلك المقادير والأوصاف والأوزان والمقاييس وأمثالها مما يتداخل الفكر فيه مع الخيال والخيال مع الفكر.. لأن الآدمي لا يقف حتما عند حدود ما يحسه وتحيط به حواسه وتعىّنه له إدراكاته، بل يمدها خياله بعض المَدّ ثم يبقي الباب مفتوحا لخيال من يريد.. فلفظة “غير” المضافة إلي كلمة المحدود ـ هي هذا الباب المفتوح في استعمال العاديين من البشر للتعبير عمّا تجاوز مقدورهم المألوف في العد والقياس والوزن والتقدير والحساب.. وهم بذلك ينفضون أيديهم من حساب بعد السماء وسعة الأرض وسرعات الرياح ومياه البحار وعدد الأرواح والأحياء وكمية النجوم والكواكب والأفلاك وقدم الأزل وطول الأبد وما شابه ذلك.. لأن حدود محدودية البشر ترسمها بالحتم حواسهم ومشاعرهم وذاكرتهم ـ وهي حدود دائما وبالضرورة نسبية بنت وقتها وعصرها غير عينية ولا كونية.
 
والعلم الوضعي حاول ويحاول وسيظل يحاول الخروج بالبشر من تلك النظرة الساذجة البدائية بالإتفاق بين أهل العلم والعمل علي رموز بعينها للقياسات والأوزان والأحجام والطاقات والعناصر والذرات والجزئيات والبللورات وتحديد معان منضبطة متعارف عليها وحدها في دوائر العلم والأحمال للأجناس والأنواع والأصول والفروع والعائلات والأعضاء والأجزاء وأجزائهـا.. وهذه وغيرها كلها تحديدات بشرية لا يعرفها الكون، ولكن موضوعاتها فروق بين تكوينات ذلك الكون العظيم.. إحتاج البشر إلي التعرف عليها وتسميتها بمسميات بشرية للانتفاع بها في مساعيهم.. بحيث إذا اندثر الآدميون لم يعد لتلك القياسات والرموز والمصطلحات والتحذيرات أي وجود.. لأنها من ابتكار البشر لخدمة البشر في استعمال ما قد يتيسر لهم استعماله من ذلك الكون بشيء من النظام والاعتياد والتطور والترقي في الانتفاع.. فالاندثار هو أفدح الأخطار علي البشر.. ومن ثم يجب أن يكون موضوع إلتفاتنا الأول والأهم للتحرز منه والعمل الدائب علي تفاديه واستبعاده.
 
والآدميون في نظر العلم الوضعي أحدث الحيوانات العليا وجودًا علي هذه الأرض.. وقد سبقهم أجناس وأنواع إنقرض منها الكثير وباقي منها الكثير بين ظهرانينا.. هذا الباقي من تلك الأجناس قد عاني ويعاني خلال الأزمنة المتوالية والأمكنة المختلفة تطورًا بطيئًا أو سريعًا تبعا للظروف والأحوال.. والاندثار أو الانقراض قسيم إيجاد الموجود في حدود معارفنا.. كما أن موت الأفراد قسيم إيجادهم ـ وهذا حدث لم يتخلف قط في صدد أي حي من المخلوقات في أي زمان وأي مكان لأن تلازم الحياة والموت فيما يبدو قانون كوني.
 
(للحديث بقية)
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »